بل يعتقد أنه مجالس أخ من أخوانه وكان حليمًا مقيلًا للعثرات متجاوزًا عن الهفوات تقيًا نقيًا صفيًا يغضي لا يغضب مارد سائلًا ولا صد نائلًاَ ولا أخجل قائلًا ولا خيب آملًا.
أخذ عقيدته عن الدليل بواسطة البحث مع مشايخ أهل العلم وأكابر الفقهاء كان إذا جرى الكلام بين يديه يقول فيه قولًا حسنًا وإن لم يكن بعبارة الفقهاء وكان شديدًا على الفلاسفة والمعطلة والدهربة وكان مواظبًا على صلواته وصيامه عادلًا رحيمًا ناصرًا للضعيف على القوي وكان يجلس للعدل في كل يوم اثنين وخميس في مجلس هام يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير وعجوز هرمة وشيخ كبير وكان يفعل ذلك سفرًا وحضرًاَ على أنه كان في جميع أوقاته قابلًا لما يعرض عليه من القصص كاشفًا لما ينهي إليه من المظالم.
كان عظماء الشجعان قوي النفس شديد البأس عظيم الثبات لا يهوله أمر وصل في ليلة واحدة من الإفرنج نيف سبعون مركبًا إلى عكا وهو لا يزداد إلا قوة نفس وكان يعطي دستورًا (أي يسرح عسكره) في أوائل الشتاء ويبقي في شرذمة يسيرة في مقابلة عدتهم الكثيرة إذ كان عدد جيشهم لا يقل عن خمسمائة إلى ستمائة ألف مع هذا تراه صابرًا هاجرًا في محبة الجهاد في سبيل الله أهله وأولاده ووطنه وسكنه وسائر ملاذه قانمًا من الدنيا بالسكون في ظل خيمة تضربها الرياح يمنة ويسرة. وكان لا بد له من أن يطوف حول العدو كل يوم مرة أو مرتين إذا كان قريبًا منهم وإذا اشتد الحرب يطوف بين الصفين ويخرق العساكر من الميمنة والمسيرة يرتب الأطلاب ويأمرهم بالتقدم والوقوف في مواضع يراها وكان يشارف العدو ويجاوره.
انهزم المسلمون في يوم المصاف الأكبر بمرج عكا حتى القلب ورجاله ووقع الكوش والعلم وهو ثابت القدم في نفر يسير فانحاز إلى الجبل يجمع الناس ويردهم ويخجلهم حتى يرجعوا ولم يزل كذلك حتى عكس المسلمون على العدو في ذلك اليوم وقتل منهم زهاء سبعة آلاف ما بين راجل وفارس ولم يزل مصابرًا لهم وهم في العدة الوافرة إلى أن ظهر له ضعف المسلمين فصالح وهو مسؤول من جانبهم فإن الضعف والهلاك كان فيه أكثر ولكنهم كانوا يتوقعون النجدة والمسلمون لا يتوقعونها وكانت المصلحة في الصلح.
ولقد كان يركب للحرب وهو على غاية المرض كما فعل يوم عكا اعترته دمامل ظهرت