التنبيه المستديم يستنزف القوى وينهك الأعضاء فتعجز عن العمل أو تعمل عن عجز.
وللأشربة الروحية في القناة الهضمية أضرار آخر يرجع بعضها إلى ما تحدثه من تجميد الزلال وبعضها إلى ما تحدثه من إرساب الببسين أما ما تحدثه من تجميد الزلال فواضح مما يشاهد من تصلب المواد الحيوانية إذا حفظت بالكحول فقد تتصلب حتى تصير اشد صلابة من الأديم ومعلوم أن الزلال من أهم أجزاء الطعام وأنواع الغذاء وهو على الحالة الطبيعية لين القوام سهل الهضم لطيف المادة فإذا تجمد بالكحول تصلب مادته وتعسر هضمه وقل غذاؤه وأصبح مما لا تفعل فيه عصارات الهضم ولا تقوى عليه المعد الضعيفة شاهد ما تراه من سهولة هضم البيض البرشت وصعوبة هضم البيض الجامد ثم أن البيسين احد العصارات المعدية وسبب اختمار المواد الآزوتية هو مادة زلالية أيضًا يتجمد به غيره من أنواع الزلال فإذا تجمد بالكحول ورسب في القناة الهضمية تعذر اتصاله بجميع أجزاء الطعام وامتنع امتزاجه بها امتزاجًا يضمن اختمارها ويكفل هضمها ويتضح ذلك بأجلى بيان مما يشاهد في كل يوم من أنواع الاختمار فلا يختمر العجين إلا إذا أذيبت خميرته في الماء وأضيفت بالدقيق ولا يروب الحليب إلا إذا مرت شيء من اللبن ثم أضيف إليه.
وجملة القول أن الاختمار لا يتم إلا بامتزاج ما يراد اختماره بالخمير امتزاجًا تامًا وذلك يقتضي الإذابة والحل وعلى ذلك كان الكحول وغيره مما يجمد الزلال ويرسب البيسين مضرًا في عمل الهضم.
فيؤخذ مما تقدم أن الأشربة الروحية تفيد في عمل الهضم ثم تضر به ولذلك يختلف الناس في الكلام عليها اختلافًا عظيمًا ويتباينون في الحكم فيها تباينًا جسيمًا فمنهم من يقول بنفعها ومنهم من يقول بضررها حتى انك لترى عالمًا من علماء منافع الأعضاء يكتب كتابًا في فائدتها وأخر يكتب كتابًا في مضارها وذلك من الغرابة بمكان.
وفي كتاب الوحي ما هو اغرب من ذلك فإنك ترى بعض النبيين ومن أتى بعدهم من الحواريين هذا يصفها علاجًا في تطيب النفس وذاك يصفها دواء في عسر الهضم ثم لا تلبث أن ترى غيرهم من رجال الله هذا يحض على تركها وذاك يحذر من شرها إلى غير ذلك مما هنالك من الأقوال المتضاربة والآراء المتباينة مما يبعث في الناس ميلًا إلى الريبة في العلم والكفر في الدين على أن لا اختلاف في العلم ولا تباين في الدين وإنما الخلاف