إليه المنصور ميلًا شديدًا حتى جعله طبيب أسرته وممن علت منزلته عند المنصور عبد الله المقفع وكان فاضلًا كاملًا وهو أول من اعتنى في الملة الإسلامية بترجمة الكتب المنطقية الثلاثة وهي كتاب قاطيغورياس وكتاب باري ارمينياس وكتاب انالوطيقا ترجم كل ذلك بعبارة سهلة وترجم مع ذلك كتاب الهندي المعروف بكليلة ودمنة والخلاصة أن المنصور كانت جل عنايته مصروفه لإيجاد مترجمين توسد إليهم هذه الصناعة الجليلة ولم يأل جهدًاُ في هذا السبيل وترجم في خلافته كثير من كتب الهندسة والطب والنجوم. وفي زمن المنصور عرب كتاب بطليموس في الغناء واللحون الثمانية وأيضًا كتاب ارسوا عربه عبد المسيح الحمصي.
ولما انتقلت الخلافة إلى هرون الرشيد قام احسن قيام بالنهضة العلمية وكان من أفاضل الخلفاء وفصائحهم وكرمائهم وقد انتشر العلم في زمانه انتشارًا هائلًا قال درابر في كتابه تنازع العلم والدين: أن الرشيد قد أمر بإضافة مدرسة إلى كل جامع في جميع أرجاء ملكه. وفي أيامه تقاطر إلى بغداد كثير من الأطباء وعلماء السريان والفرس والهند وطفقوا يتعلمون اللغة العربية ليستطيعوا الترجمة ويحكموا أصولها وكان الرشيد مشغوفًا بالعلوم ونقلها إلى لسانه فقد بذل الأموال الطائلة وكافأ كل من يأتيه بكتاب قديم واتفق له في أثناء إغارته على بلاد الروم أن عثر في أنقرة وعمورية وغيرهما على كتب كثيرة حملها إلى بغداد وأمر طبيبه يوحنا بن ماسويه بترجمتها وقد علت منزلة يوحنا عند الرشيد فقر به إليه حتى وضع جميع المدارس تحت مراقبته وكان فاضلًا طبيبًا محترمًا عند الملوك خدم الرشيد والمأمون والواثق والمتوكل وعدا عن الكتب التي ترجمها فقد كان له تأليف عظيمة منها كتاب البرهان وكتاب الحميات والكناش المعروف بالمشجر. وممن تقرب إلى الرشيد بختيشوع الطبيب وجبريل ولده ونقلوه كتبًا متعددة. وممن اشتهر بالنقل الحجاج بن مطر نقل كتاب إقليدس النقلة الأولى ويسمى الهازونية تمييزًا له عن كتاب إقليدس الذي نقل في زمن المأمون ثم أصلح نقله فيما بعد ثابت بن قره الحراني وكان فيلسوفًا عظيمًا بلغ درجة لم يدانه بها احد وله تأليف كثيرة في المنطق والطب والرياضيات وقد قربه المعتضد حتى علت منزلته على الوزراء.
والخلاصة أن الرشيد قد افزع قصارى جهده بنقل الكتب ورفع أعلام العلم وكان يصرف