ولكثرة ما كان يطلب منه أن يكتسب يضطر أحيانًا إلى عدم التوسع في البحث ويكتسب من حاضر الوقت بحسب ما يجول في خاطره لأول وهلة وقد عيب عليه تحامله في تاريخ التمدن الإسلامي على العرب حتى اتهم بأنه من غلاة الشعوبية وتناولته السن الناقدين من العلماء والأدباء بالنقد ومنهم من جاوز الحد في غمطه حقه وتحامل عليه في أشياء لا يخلو منها كتاب ومنهم من كان يطلب منه أن يكون مسلمًا في بحثه وكان من قومه من يرمونه بالميل للإسلام والإفراط في ذكر مآثر العرب.
صرف فقيدنا العزيز معظم حياته في خدمة التاريخ فهو المادة الأولى في مجلته وكتبه كلها ينوع أساليبه ويقرب من الأذهان بعيده وكان لبسط العبارات الساذجة يتناول ما قاله المؤرخون ويقتضب من كلامهم أو يكتسبه بأسلوبه المعتاد فيضيع أحيانًا بعض جمل ربما كانت هي روح تلك الفقرات وكثيرًا ما كان يتغاضى عن ذكر السند أو ينقل ما يدور على الأفواه ويأخذ بالمتعارف لعامة القراء الملذ لهم المفرح.
وقد تعلم في آخر أمره مبادئ الألمانية والافرنسية فكان يقتبس في كتبه العلمية بعض ما كتبه علماء المشرقيات منهم على الآداب العربية والتاريخ الإسلامي وحاز شهرة في الأندية العلمية في الغرب وعين عضوًا في بعض جمعياته ونال بعض الألقاب والأوسمة.
وكان أجزل الله ثوابه عاملًا مجدًا مرتب العمل انتظمت حاله برواج مطبوعاته بواسطة الهلال ومكتبته ومطبعته وله شهرة في العالم العربي نالها عن استحقاق وبسهر الليالي والمطالعة والمراجعة. كان عصاميًا فصار بدرسه وبحثه واجتهاده من أفراد الناس بين من يعانون صناعة التأليف في الشرق العربي ووصل به جده واجتهاد إلى مصاف العلماء على حين لم يدرس في الكليات العظمى ولا نال شهاداتها وإجازاتها الطنانة الضخمة وكم من أناس أسعدهم الحظ بقضاء سنين طويلة في المدارس الجامعة ودرسوا علومها وأحرزوا شهاداتها ولم يكتب لهم أن يبلغوا جزءًا صغيرًا مما بلغه صاحب الهلال بثباته ومثابرته ودرسه وعنايته مما دل أن العبرة بالدارس لا بالمدارس وبقوة العقل في الرجال لا بمجد الآباء وكثرة الأموال.
ولذا كان فقد المترجم به في سن الكهولة شديد الألم على كل عارفيه وأصدقائه ومن انتفعوا بآثاره وأقهم تلطفه في الأداء وخدمته امزجه الجمهور من القراء وسيكون اسمه على جبين