وأحب آفاق البلاد إلى ألفتى ... أرض ينال بها كريم المطلب
تكثر الخواطر على السائح منا في ربوع أمم الحضارة الحديثة فلا يلبث أن يذكر بلاده ويقابل بين حالها وما يشاهده هناك من السير نحو الكمال بخطى سريعة في حين يرى أمته تسير سير السلاحف:
إن القباع سار سيرًا نكرًا ... يسير يومًا ويقيم شهرًا
نعم يسير الغرب بسرعة البخار والكهرباء ونحن ما زلنا نسير بسير الجمال والبغال والحمير وشتان بين نظام السيرين.
سر أينما شئت في بلاد المدنية تجدها نسقًا واحدًا في الاستمتاع بنعم الجمال والكمال وقد تشاهد لبعضها على بعض امتيازًا في أمور تتفرد بها ولا فرق في أصل المادة بين الشرق والغرب: سهول وأودية وجبال وأنهار وبحيرات وبحار ولكن ألفرق في تربية العقول ونمط الحياة فالسر إذا في السكان لا في المكان.
سحت هذه المرة في إيطاليا وسويسرا وفرنسا والنمسا والمجر فرأيتها إلا قليلًا متشابهة في راحتها ونعيمها وعمرانها وعلمها وآدابها وصناعاتها. الناس كلهم يتفننون فيما يعملون ويسيرون اليوم بعد اليوم نحو الكمال فيا رب ما هذه الروح التي تجرد منها جسم الشرق وسرت في عظام الغرب وأعصابه وشرايينه فأتى أهله بالعظائم ونجن بقينا خامدين مبهوتين منحلين متضائلين:
لا تغبط المجدب في علمه ... وإن رأيت الخصب في حاله
إن الذي ضيع من نفسه ... فوق الذي ثمر من ماله
مدنية الغرب غريبة في كل مظهر من مظاهرها لأن أهلها أحسنوا الانتفاع من كل قوة في الوجود ونحن أضعنا بجهلنا القوى القريبة الانتفاع هذا شأنهم في كل شيءٍ فكأن الغرب حاف لا يحألف الشرق والشرق آلا أن يخالف الغرب على كثرة حاجته إليه واضطراره إلى الأخذ عنه.
رأيت أولادًا وبنات دون العاشرة يسيحون في الغرب من قطر إلى آخر وحدهم بدون أدنى رهبة وارتباك ولم أشهد كثيرًا من رجالنا يستطيعون السياحة في أوروبا وأميركا على ما يجب وبهذا تعرف درجتهم ودرجتنا وتسجل بأن صبيانهم أقوى من رجالنا وفتياتهم أعقل