فهرس الكتاب

الصفحة 6237 من 6802

جاءت لوزان لتطب أحد أولادها ونزلت في المنزل الذي أقمت فيه فلاحظت أمرها مدو أربعة أسابيع أنظر عناية الأبوين بتربية أولادهما فكان الوالد يوقظ الأولاد في الساعة السادسة والنصف ويأخذ في إلباسهم ثيابهم مع زوجته وهذه تسرح شعور الابنتين وتمشطهما فإذا تناولوا طعام الصباح يرافق الثلاثة من أولاده إلى المدرسة لأنه وضعهم في المكتب مع أن مدة مقامه في تلك المدينة لا تتجاوز شهرين ثم يعود إلى الدار ويحمل ابنه الطبيب ويعود به بعد ساعتين فيجيء الأولاد في وقت الظهر وبعد تناولهم الطعام يعود فيشيعهم ثانية إلى المدرسة وربما عاد إليهم في المساء ليصحبهم أو اكتفى بانتظارهم للخروج بهم مع والدتهم إلى النزهة. عناية فائقة من هذين الوالدين اللذين لا يعرفان غير تعهد صحة أولادهما وتعليمهم وتربيتهم وتخريجهم على الآداب والفضيلة والتدين.

هذه الأسرة من أسر الأرياف أو ألفلاحين من أهل الطبقة المتوسطة التي تكون على شيء من اليسار ولطالما هنأت الوالدين على عنايتهما بأولادهما وقلت لهما أن الأسرة ألفرنسية لو كانت كلها مؤلفة على هذا النحو وتربى بمثل هذه العناية وتتعهد بما يشبه هذا الحنان ألفتان لاستحت فرنسا أن تشكو من قلة نفوسها وانحلال التربية في بعض عواصمها ولهذه الأسرة مئات الألوف من الأمثلة ومثل ذلك يقال في جميع ديار الغرب.

والمثال الثاني الذي رأيته يمثل درجة أخرى من درجات الأسرة رأيته في إيطاليا في قصر من أعظم قصور الكبراء الذين جمعوا بين الطريف والتليد وأعني به منزل صديقي الأمير ليوني كايتاني الذي صرفت أيامًا في الاشتغال في مكتبته أبحث عن تاريخ بلادي وأجدادي فإن هذا الرجل الشريف في أمته الغني بعلمه وماله لم يرزق سوى ولد واحد هو دون العاشرة ولما جاء وقت تعليمه أرسله إلى سويسرا يتعلم فيها ولم تأخذه الشفقة عليه وآثر أن لا يراه وأن يربى تربية راقية صحية على أن يكون في داره القوراء بين والديه وأهله وقبيله.

والمثال الثالث أتيكم به من بودابست عاصمة المجر فإن العلامة غولد صهير شيخ المشرقيات في هذا العصر لم يرزق سوى ولد واحد علمه فلما زوجه أخرجه من بيته على عادة الإفرنج بإخراج أولادهم من دورهم متى شبوا وتأهلوا ليؤلفوا أسرة برأسهم ويعيشوا مستقلين عن أبويهم فلا يقع نفور بين الكنة وحماتها ولا بين الولد ووالده والراحة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت