من الأمن فلا يوجس السائر في سواد الليل بضواحي المدينة خيفة سوء فما الحال بين جدرانها. ولقد كنت أخرج من محل الأسرى عند منتصف الليل منفردا وأعود إلى القرية مارًا على غابة ليس قيها أنيس غير أشجارها المتعانقة وظلامها المتراكم ولا ألاقي في الطريق وحشة أو قلقًا. وازداد إعجابًا بهذه الراحة الشاملة إذا تذكرت صعاليك إيطاليا وأمثالهم كيف ينتشرون داخل مدينة تونس أو الجزائر ويقطعون السبيل على سكانها بنهب الأموال وسفك الدماء حتى لا يمر الرجل في الطرقات المنحرفة عن الجادة بعد العتمة إلا وهو يتوقع خطرًا.
يمنحون الغريب في بلادهم صدرًا رحبًا فيقف الرجل إذا استوضحته أمرًا أو استخبرته عن مكان ولا يتسلل عنك إلا أن تستوفي منه بيانًا كافيًا وربما تفرس منك الحيرة في الطريق فيفاتحك بالسؤال عن الوجهة التي تريدها ويهديك إليها بالقول المفصل أو بالمرافقة إذا لم تكن المسافة بعيدة. اشتبه علي الطريق إلى محطة القطار في بعض الأيام فاستكشفت عنها أحد المارين في السبيل فأخذ يصفها بالإشارة والإمارة ولما لم يقنع بأن عبارته وقعت مني موقع ألفهم البين قفل راجعًا يسايرني بمقدار عشرين دقيقة حتى بلغت المحطة نفسها.
يلاقي التجار والعملة عندهم الوارد بجباه منطلقة وألسنة رطبة ويعرضون عليه ما عندهم من صنوف الأشياء التي يطلبها من غير تقاعس ولا سآمة. ولهذا الأسلوب الأدبي الاقتصادي أثر عظيم في رواج البضائع والسباق في مضمار التجارة. فإن من الناس من يقصر معاملته على محل أو يبتاع منه البضاعة. ولو شطت قيمتها رعاية لما يتجمل به صاحبها من سعة الصدر ورقة الخطاب.
يغلب عليهم خلق الرصانة والتؤدة ولا سيما في المشاهد العامة والنوادي الجامعة. امتطيت ذات يوم قطار المدينة فاتفق أن كان أمامي رجل أظهر في مغازلته لامرأة طيشًا وسفهًا فوقع في خاطري أنه أجنبي عن هذه الحاضرة ثم أنه جاذبني عند انصرافي محادثة عرفني بها أنه من أحد شعوب البلقانية.
ومن آثار التعليم العام أن أصبحت الأمة بمحل الثقة في نظر الحكومة فالقطار الكهربائي ذو درجتين متفاضلتين وتقطع أوراق الركوب بها من طاقات في أوائل محطاتها ولا أذكر يومًا أن مفتشًا دخل عربات الدرجة العليا ونظر في أوراقها بل فوضوا ذلك إلى وجدان الشعب