أعاريضه وفواعيله فتارة يريك مسلمًا يعزف عند قيفته وأخرى يطلك على أبي النواس يطرب حول باطيته وطورًا يجيئك بحبيب ثاكلًا بفقيده وطورًا يأتيك بالوليد هازجًا جنب ممدوحه ويشرفك على كشاجم في جوقه والصنوبري في حقله ولو خلعت القريحة على شعره حلة الأسلوب العصري لبز شوقي وحافظ والزناتي وصبري وكان السابق المجلي في حلبتهم وهم كانوا مصلين على أن العارف يرى فوق شعره مسحة من الذوق العصري إذ كله وصف وتصوير ونعت لمشاهدة الكائنات ويرى في أبياته من الحكم الرائعة والأمثال السائرة ما يكذب نبوة المتنبي كقوله من موشح:
وإذا نبت البطاح اختلفا ... غلب الشوك على الورد الجني
قوله: سل عن المسجد مني صيرفًا ... إنني أدرى بما في معدني
قوله: سماء اليوم مثل سماء أمس ... وما نقصت سموًا أو ارتفاعًا
فها أنت ترى في هذه الأبيات من الفلسفة الأدبية ما يحط دونها فكر أبي العلاء وقد سلك في شعره طريقة ابن ألفارض.
وبعد أن أورد الناشر أبياتًا من هذا القبيل ليس فيها إلا كلام هو دون كلام الشعراء المبرزين بمراحل وبالغ هذه المبالغة الشرقية التي هي أشبه بالهزل منها بالجد قال: وقد كانت تعنو لسماع شعره شيوخ أدباء العراق وتتهافت عليه ولا تهافت ألفراش على وذيلة السراج حتى إذا جفت حديقة الأدب والتوت عيدانها بين أناس تطلس من آثارهم عنوان الأدب والنبوغ دعاه ذلك إلى الإضراب عنه والانعكاف على ألفقه والأصول
وبذلك صدر الديوان بوصف صاحبه بأنه أشعر شعراء الشرق وأكبر علمائه اليوم وما كنا نظن المبالغة تبلغ هذه الدرجة بعد أن اشتهرت بالطبع دواوين المتأخرين والمتقدمين وربما كانت هذه الدعوى تجوز في بلد معين وأهل إقليم خاص ولكن هذا التعميم لا يصح على إطلاقه فلا نقول مثلًا أن شوقي أو حافظًا أو البارودي أشعر الشعراء ولا أن عبده والشميل والجزائري أعلم العلماء بل نذكر لكل واحد ميزته التي يمتاز بها على أقرانه وبها يثبت نبوغه بين معاصريه ومن سبقوه وإلا فإن الرجل الواحد لا يستجمع هذه الصفات كلها فيكون أشعر شعراء الشرق اليوم وأكبر علمائه اليوم.
بيد أن لصاحب الديوان قصائد رقيقة تحسب من الجيد العصري كقوله: