صرح أقمت على التقوى قوائمه ... ودل فيه على التاريخ معناه
قال في نفح الطبيب اخترع المنصور من الصنائع ثلاثة أشياء فجاءت غريبة الشكل بديعة الحسن وهي البديع والمسرة والمشتهى ومما قال المنصور في ذلك مؤرخًا:
بستان حسنك أبدعت زهراته ... ولكم نهيت القلب عنه فما انتهى
وقوام غصنك بالمسرة ينثني ... يا حسن رمان به المشتهى
والذي ذكره صاحب البيان المعرب عن أخبار المغرب وهو الشيخ أبوعبد الله أبوعذارى الأندلسي أن أول من أنشأ المسرة التي بظاهر جنان الصالحة عبد المؤمن ابن علي كبير الموحدين قال وهو بستان عظيم طوله ثلاثة أميال وعرضه قريب منها فيه كل فاكهة تشتهى وجلب إليها الماء من أغمات واستنبط له عيونًا كثيرة.
قال ابن اليسع: وما خرجت أنا من مراكش في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة إلا وهذا البستان الذي غرسه يبلغ مبيع زيتونه وفواكه ثلاثين ألف دينار مؤمنية بحسب رخص ألفاكهة بمراكش ولعل المنصور جدد معالم المسرة بعد إندراسها وأفاض مجال الحياة على ميت أغراسها.
وكان المنور يفتخر بالبديع كثيرًا وبنوه بعده كذلك وفي ذلك يقول أبوفارس ألفشتالي:
هذا البديع يعز شبه بدائع ... أبدعتهن به فجأة غريبا
أضني الغزالة حسنه حسدًا له ... أبدي عليه للأصيل شحوبا
شيدتهن مصانعًا وصنائعًا ... أنجزن وعدك للعلا المرقوبا
وجريت في كل ألفخار لغاية ... أدركتهن وما مسسن لغوبا
فأنعم المسكك فيه دام موقرًا ... تجني به فنن النعيم رطيبا
ولما أكمل المنصور البديع وفرغ من تنميق بردته وتطويق حلته صنع مهرجانًا عظيمًا ودعا الأعيان والأكابر فقدم لهم من ضروب الأطعمة وصنوف الموائد وأفرغ عليهم من العطايا ومن الجوائز ما لم يعهد من قبل ولكن دالت الأيام وأمر السلطان اسماعيل ابن الشريف بهدم البديع عام تسعة عشر ومائة وألف فهدمت معالمه وبدلت مراسمه وغيرت محاسنه وفرق مجموع حسنه وعاد حصيدًا كأن لم يغن بالأمس حتى صار مرعىً للمواشي ومقيلًا للكلاب ووكرًا للبوم وحق على الله ما رفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه ومن العجائب