والعمل وانتظامه وما نظنّ من يدخل صناعةً على قومٍ يتعلّمون بها ما ينعشهم من هوّة الحاجة بأقلّ في حسن الأثر والأحدوثة ممن يفتح بلداّ أو يستعمر قطرًا ولذلك يحمد الوطن صنيع قائد الجيش الذي عرف كيف ينتفع من كلّ قوّةٍ في البلاد وامتاز بأنّه كان من الرّجال الذين يحسنون انتخاب عمّالهم والمباشرين لجميع فروع إدارة الجيش فقد كان الصّالح للعمل في الإدارات الكبرى قبله عشرة في المئة وباقيهم خشب مسندةٍ أو كالسّوس في الخشب وهاقد أصبح بفضله وبفضل أنصاره عدد الصالحين للعمل يربو على التسعين في المئة وذلك لأنه موفّقٌ في حسن الاختيار وطرح المرذول والإتيان بالمحمود واختيار المرء قطعة من عقله ولذلك ترى فروع أعمال الجيش هنا يحلّق عليها على الدّوام طير اليمن والبركة
إنّ الروح التي بثّها في الجيش العثمانيّ أجمع صاحب الدّولة أنور باشا وكيل القائد الأعظم وناظر الحربيّة قد كان أثرها عظيمًا جدًّا في هذا الجيش الرابع أيضًا إذ وجد لها مثل أحمد جمال باشا عالمًا عاملًا يطبّقها ويزيد ما يرى الحاجة المحلّيّة ماسّةً إليه من الأعمال الخطيرة ومن أهمّ دواعي النجاح أنّ جمال هذا الجيش لم يتقيّد بحرفيّة القانون بل اهتمّ بجوهره وإذ كان مفطورًا على حبّ العمران جاءت على يديه مثل هذه الصناعات ونفّذ رغائبه في ذلك أناسٌ أكفاء اختارهم للعمل فبرزوا فيه وأدركوا أسراره وخوافيه
يعدّ الجيش اليوم المدرسة العادليّة أكبر مدارس الشّافعية في القرون الوسطى بدمشق ليأوي إليها ثلاثمائة وخمسون طالبًا من طلاّب الصناعات في الجيش في هذا السبيل ألفًا وخمسمائة ليرة لتكون صالحةً لسكناهم ويعيشون فيها عيشًا منتظمًا تجود به صحّتهم وتفتح قرائحهم وتصير أيديهم مرنةً حاذقة وعقولهم مفكّرةً مدبّرةً.
وهذا العدد من الطلاّب إذا أضيف إليه ألوف الصنّاع الذين يعملون في مصانع الجيش اليوم يغنون ولا شكّ البلاد بمصنوعاتهم في كل فرعٍ من فروع الصّناعة ويكون ذلك من بعض حسنات القائد العامّ أحمد جمال باشا ومضاء رجال الإدارة مثل مفتّش المنزل كاظم بيك الذي له فضلٌ عظيمٌ في تنظيم هذه الصناعات وغرامٌ شديد بتخريج أبناء الوطن على حبّها