-هاأنا ذا ذاهبة وذهبت. فدخلت على الباشا وأخذت تمدح جميلة على ترويها وعقلها وكمالها ثم قالت: أنها لا تخالف أرادتك وهي طوع أمرك فيما تقضيه عليها ولكنها تلتمس مهلة يومين لتفكر في الأمر ثم تخبرنا سلبًا أو إيجابًا
-أخاف أن تصر على عنادها وأنا أود أن أزوجها في حياتي لنفرح بها فقولي لها أني أمهلتها يومين فذهبت وخبرتها ففرحت بنيل المراد وبشرت سعيدًا بواسطة خادمتها ففرح هذا وظن أن السعادة العظمى لاحظته عيونها وأخذ يفسرها ويقلبها على وجوه آملا أن تكون تلك السعادة مكافأة لما عاناه من قبل وصار يسبح في ظلمات الخيال وصرت لا تراه إلا ضاحكًا مسرورًا يقول تارة سأرتاح من أجرة الدار وأسكن منزلًا عاليًا وأركب عربة خاصة وأرتقي بمعونة الباشا وأخلص من هم صرف الراتب على تدبير المنزل واقتصد راتبي وأوفي راتبي فأكون حينئذ سعيدًا ثم أخذ يفكر فيما بالذي سيتراكم من مشاهرته فقرر أن يشتري أوراق يانصيب المصرف العقاري وتحويلات سكة حديد الروملي وأصبح في أمان من كسب أعظم المبالغ ورأى أن يشتري خيلًا ليقيم على تربيتها فيبيعها بما تيسر من الليرات ويشتري دكانًا ثم مخزنًا ثم ضيعة فيصير من الأغنياء ويستتغني عن الاستخدام وعن معاناة شرور العالم ويكتفي بأن يصير عضوًا في أحد المجالس وطورًا يقول أن السعادة ليست شيئًا في الحقيقة بجانب اقتراني بجميلة لأن السعادة العظمى هي اقتران زوجة بزوج يوأفقها في الخلق ويقوم بما يفرض عليه لتقوم هي بما يفرض عليها من أعمال الحياة وبمثل هذه الخيالات كانت تمر أيامه وليإليه فصار لا يفكر إلا في السعادة ونسي كل ما عاناه من قبل بل وتناسى ما وقع له شأن الإنسان يتذكر السعادة في الشقاء وينسى الشقاء في الإقبال وكان وصول سيعقد به له على حبيبته جميلة.
ولما مضى اليومان أجابت بالقبول وفوضت الأمر لأبيها لا يباح ففرح هذا وأرسل سعيدًا فأتى هذا مسرعًا لإنه كان عالمًا بالأمر فقطع الطرق وما شعر إلا وهو أمام المنزل وكان من عادته أن يأتي ماشيًا على رجليه فأتى هذه المرة في العربة وأستأذن عليه فدخل إلى ردهة الباشا فقبل يده وجلس أمامه فقال له الباشا يا بني أنت تعلم أني ربيتك كولدي وأحبك بمثابة ابنتي جميلة ولآن أريد أن أجعلك ابنًا حقيقيًا وأفرح بك فهلا تطيع أمري؟
-سيدي العبد غرس نعمائك وإن كنت عشت أو أصبح لي شأن فذلك بفضلك وإحسانك