فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 13022 من 65521

الرجل يبصر بقلبه ذهب عنك العجب كله.

وإذا طلع الفجر على القرية، وهي غارقة في سبات عميق، وكل شيء فيها ساكن هاجع، فلا نأمة ولا حركة، اللهم إلا سامقات النخيل وهي تترنح مع النسيم الواني، وسيقان الزرع وهي تتمايل مع الريح الرخاء، طلع الأعمى إلى سطح المسجد، وانطلق يؤذن في صوت حلو النبرات عذب الرنين، ينفذ إلى كل قلب، ويهفو إلى كل أذن، ومن الذي يسمعه وهو يقول: (حي على الصلاة!) فيتأخر بعد ذلك عن الصلاة؟ لقد كان صوته لينًا شجيًا يرن في سكون الليل جميل اللحن عذب الرنين، فيهب له القرويون من مضاجعهم، ويخفون إلى المسجد خاشعين صامتين.

وكان الرجل محبوبًا من أهل القرية جميعًا إلا النساء والأطفال. أما النساء فيكرهنه لأنه يزجرهن عن بئر المسجد، ويمنعهن من ملء الجرار منها بقسوة وغلظة، حتى ينقلب صوته الحنون عند محادثتهن إلى صوت أجش خشن مرعب أحيانًا! والقرية لا تستغني عن ماء البئر خصوصًا زمن الفيضان عندما يصبح الماء عكرًا نصفه طين. وكم تغفلنه مرارًا، وهو الأعمى وهن النجل العيون! على أن سمعه المرهف دائمًا كان يغيظهن أشد الغيظ!! فإذا أدلت إحداهن الدلو في البئر وحركت (الجبيذ) (البكرة) ، وهو خشبي يحتاج للسقي بالزيت ليحبس صوته في جوفه، صر هذا، فيمد الأعمى قامته ويقول بصوت جاف:

(مين؟)

فيتركن الدلو والجرار ويرحن يصلصلن بالحلي، ويطرن على وجوههن هاربات، وقد تقع إحداهن على وجهها، فتخوض فيها الأخرى من فرط الرعب، ويقمن وجلات مذعورات ضاحكات أيضًا، على أن هذا لم ييئسهن من البئر اليأس كله، فهن يعلمن أنه يتروح بعد العشاء، فإذا بصرن به خارجًا من المسجد انطلقن إلى البئر وهن راجفات أيضًا. فشد ما كانت تخيفهن عصاه الغليظة وإن كانت لم تصافح إحداهن حتى الآن.

ومن هنا نشأت العداوة بينه وبينهن واشتدت مع الزمن أما الأطفال فكانوا كلما بصروا به على الجسر، وهو في طريقه إلى منزله، تقوده عصاه، وصدره إلى الأمام، وسمعه مرهف، ورأسه مستو، وقامته منتصبة، وخطواته ثابتة متزنة جروا وراءه يسبونه، وقد يحصبونه بالحصى أو يرمونه بالحجارة، وهو صامت باسم لا يلتفت إليهم ولا يكلم أحدا منهم، حتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت