ويقول. . . (إنه من بناء امرأة اسمها دلوك. . .)
ومع هذا لا يرى أبن فضل الله أن يتورط في ذكر الخرافات التي تقال في سبب بناء دلوك لهذا الحائط فيقول: (ويذكر في تلك الكتب - بسبب بناء العجوز له - خرافة لسنا نرضى ذكرها!!)
ويسمى المؤلف تمثالي ممنون بالقرب من وادي الملوك (شامة وطامة!!) ثم يصف البرابي فيبدع إبداعًا تامًا، وينتقل إلى الإسكندرية فيصف عمود السواري، والمنارة، والملعب الكبير وصفًا يدل على ذوقه الفني الدقيق!!
فلوبير وحديقة الكرمب
يعتبر جوستاف فلوبير (1821 - 1880) الوارث الأكبر للمدرسة الابتداعية في الأدب الفرنسي عامة، والوارث لبلزاك خاصة، وإن يكن هو من الكتاب الريالست، وإن يكن أيضًا يمتاز من بلزاك بطلاوة أسلوبه ونقاء عبارته وإشراق ديباجته، وعدم إسفافه. . . وهي مزايا لم يكن بلزاك يعرف شيئًا منها.
ويشبه فلوبير في شدة عنايته بأسلوب شاعرنا الجاهلي زهير أبن أبى سلمى المعروف بصاحب الحوليات. فلقد كان فلوبير يأرق الليالي الطوال من أجل لفظة واحدة؛ حتى إذا فاز بها، ثم مضى زمن يسير، رجع فحذفها من مقاله أو من كتابه، وقد يكون ذلك وقت الطبع، ومن هذه الموسيقى الحلوة التي اشتهرت بها كتبه لا سيما في (مدام بوفاري) و (سانت أنطوني وسلامبو) .
وقد بلغ من شدة شغف فلوبير بتقرير الواقع في قصصه أنه كان يجشم نفسه الشاق والأهوال ليصف منظرًا عارضًا في زاوية منسية من زوايا هذه القصص. من ذلك أنه أراد وصف مزرعة كرمب في ليلة مقمرة مقرورة. . . فترك القصة بحذافيرها، وانتظر حتى كان موسم الكرمب، ثم رحل إلى ضاحية اشتهرت بنوع جيد من هذا المحصول، وثمة تلبَّث حتى آذنت الليالي المقمرة. . .
ولكن صاحبة البدر طفق يتدلل ويتستر وراء السحب القاتمة. . وكان الشتاء القارس يعذبه ببرده ولياليه الطوال، وكان فلوبير ما يبرح واقفًا وسط المزرعة بقلمه وقرطاسه، منتظرًا