نزال نعقل. والحالم يمكنه أن يدرك ويتذكر ويعقل كثيرًا. والإكثار في هذه العمليات لا يعني أن النفس تبذل مجهودًا لأن ما يتطلب المجهود إنما هو الدقة والتأني في الانسجام. فنحن لا نعمل شيئًا ولا نبذل أي مجهود ليرتبط نباح الكلب صدفة بذكرى حشد متضجر، ولكن يجب بذل مجهود فعلي حتى يتصل هذا النباح بذكرى نباح الكلب وحتى يمكننا التعبير عنه أنه فعلًا نباح. ولكن لم تبق عند الحلم أي قوة لبذل هذا المجهود، فبذلك وبذلك فقط يتميز الحالم عن اليقظان
هذا هو الفرق ونحن نعبر عنه بطرق مختلفة. وإني سأتجنب التفصيلات؛ فقط ألفت نظركم إلى نقطتين أو ثلاث وهي: عدم استقرار الحلم، والسرعة التي يمكنه أن يسرد بها، والأفضلية التي يعطيها للذكريات التافهة
من السهل التعبير عن عدم الاستقرار، إذ أن الحلم من خاصيته ألا يجعل الإحساس ينطوي تمامًا على الذكرى، بل يترك في ذلك مجالًا للعب، فعليه يمكن لذكريات مختلفة تمام الاختلاف أن تنطبق على الحلم. إليك مثلًا بقعة خضراء منتشرة عليها نقط بيضاء، وذلك في حقل البصر - فيمكنها أن تحقق ذكرى جزء مزدهر في حديقة أو ذكرى مائدة لعب الكرات مع كراتها، أو أشياء أخرى كثيرة. وجميع الذكريات تريد أن تعود إلى الحياة في هذا الإحساس وكلها تعدو وراءه. ففي بعض الأحيان تبلغه الواحدة تلو الأخرى، والجزء المزدهر في الحديقة يصبح مائدة لعب الكرات، ونشاهد حينئذ تطورات مدهشة. وفي بعض الأحيان تبلغه جميعها فيصير الجزء المزدهر مائدة لعب الكرات، ويحاول الحالم أن يرفع عنه هذا التناقض بواسطة تفكير يزيد في دهشته
(البقية في العدد القادم)
ألبير نادر