الخوف كله من نقدك، لأنك صديق حميم، ولن أجد من يتهمك بالتحامل حتى أطمع في أن يكذب الناس ما تقوله عني
يضاف إلى هذا أنك مسموع الكلمة، وأن الجمهور لا يفطن إلى قدرتك على قلب الحقائق. وهل أنسى ما صنعت بنفسك وبصديقك العقاد؟
كانت العيون ترى قبل عشرين سنة أنك طويل جدًا، وأن العقاد قصير جدًا، فشاء برك بصديقك أن تزعم أنك القصير وأنه الطويل، وما زلت تبدي وتعيد حتى آمن الناس بقولك وظنوا أنك قزم وأن العقاد عملاق!
وبنوا آدم يصدقون ما يسمعون وما يقرءون، قبل أن يصدقوا ما تحدثهم به العيون والقلوب
من أجل هذا أنقض حكمك علي، وأرجو أن تكف عني شرك وإن لم تكففه عن نفسك، فما بي حاجة إلى صديق يسير على طريق المسيو ديبون
وماذا تنكر من حديثي عن نفسي؟ وماذا ينكر صديقك العقاد؟ وماذا ينكر الدكتور طه حسين؟
هل كان أدبك يا صديقي المازني إلا دورانًا حول نفسك؟ وهل كتب الأستاذ العقاد مقالًا أقوى من مقاله الأخير في مجلة الرسالة عن الأزمة التي صاولت روحه يوم احتلال العلمين؟ وهل كتب الدكتور طه أقوى مما كتب في الحديث عن طفولته وصباه؟ إن تصوير هموم النفس وما يحيط بها من مخاوف وآمال هو أدب صحيح جعلته الكتب السماوية من شمائل الأنبياء، فما العيب في أن يكون الحديث عن النفس من خصائص أدبي؟ وهل يمكن أن أتعرف إلى الوجود قبل أن أتعرف إلى نفسي؟
وهل كانت روائع الأدب في جميع الأمم إلا أحاديث نفسية؟
ما هو سفر أيوب الذي ترجم إلى اكثر اللغات؟
ألم تكن أصالته في التعبير عن المخاوف الروحية؟
وهل كانت أكثر القصائد الخوالد إلا إفصاحًا عن عواطف ذاتية؟
قال ديكارت: أنا أفكر، فأنا إذًا موجود
ومن معاني هذه العبارة أن الشعور بالنفس هو أساس الشعور بالوجود