تلك المنازل ما تمتع واقفا ... بزها الشخوص ولا وغى الأصوات
ولأبي تمام بيت رائع من هذا القبيل كان يتغنى به المرحوم حافظ إبراهيم في غاب بولون، وقد صحبته إليها حين زار باريس:
لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتقضت الأوطار
فهذا الشعر يمثل الحقيقة لأنه صادر عن وجدان صادق، وعاطفة وتجارب مرة، وقوة ملاحظة وتصوير ناطق، وقد امتاز امرئ القيس بحب الحقيقة وتصويرها في أبهتها وجلالها وروعتها فأصبح عاهل الشعر حقًا
ولا ريب أن أروع شعر أبي تمام هو الشعر الذي ترسم فيه الحقيقة، لا الشعر الذي ملأه بديعًا وتكلفًا، وإذا كانت أشهر مراثيه قصيدة:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
وفيها يقول:
تردى ثياب الموت حمرًا فما دجى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر
فإن هناك قصيدة أخرى هي في اعتقادي أروع منها وأجل، وهي القصيدة التي رثى فيها ابنه، ووصفه وهو يتقلب على فراش الموت ويعاني آلامه:
أخر عهدي به صريعا ... للموت بالداء مستكينا
إذا شكا غصة وكربًا ... لاحظ أو راجع الأنينا
يدير في رجعه لسانا ... يمنعه الموت أن يبينا
يشخص طورًا بناظريه ... وتارة يطبق الجفونا
بُنَىّ يا واحد البنينا ... غادرتني مفردًا حزينا
وقد ذكر شعراء العرب من جاهليين وإسلاميين الطبيعة في شعرهم، ولكن الجاهليين الذي كانوا يعيشون في البادية والفضاء الرحب، والماء والغاب والوهاد والنجاد والصخور والكثبان والسيول والأنهار، كانوا أصدق عاطفة في تصويرها من المولدين، لأن الآخرين ولعوا بالرياض والزهور ومظاهر الطبيعة (السطحية) المنمقة (كالوشي) و (التطريز) ، أكثر من ولعهم بالرياح التي تهب، وقوى الطبيعة التي تزخر وتصخب، وتئن في أحنائها وأفيائها. . .