أبو سفيان على مضض، لأنه لم يكن له من الشأن في الإسلام ما يمكنه من التصرف في ذلك الأمر، وكان شأنه في ذلك شأن كل من تأخر في الإسلام من أشراف الجاهلية
وقد نبه شأن زياد في خلافة علي، وتولى له فارس فضبطها وحمى قلاعها؛ فلما اتصل خبره بمعاوية ساءه وكتب إليه يتهدده ويعرض له بولادة أبي سفيان، فجمع الناس وقام فيهم خطيبًا فقال: العجب كل العجب من ابن آكلة الأكباد، ورأس النفاق، يخوفني بقصده إياي وبيني وبينه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، أما والله لو أذن لي في لقائه لوجدني أحمر. مخشيًا ضرابًا بالسيف
ولما بلغ ذلك عليًا كتب إليه: إني وليتك ما وليتك وأنا أراك له أهلًا، وقد كانت من أبي سفيان فلتة من أماني الباطل وكذب النفس، لا توجب له ميراثًا، ولا تحل له نسبًا، وإن معاوية يأتي الإنسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، فأحذر، ثم أحذر، والسلام
وكان بعد هذا أن استتب الأمر لمعاوية بعد قتل علي وتنازل الحسن له، فأبقى زيادًا في فارس وصالحه على ألفي ألف درهم، وسكت عن استلحاقه بنسب أبيه لأنه لم يبق له حاجة فيه فصار زياد هو الذي يسعى في أمر ذلك النسب، ويجتهد في استمالة معاوية إليه، حتى جعل لمصقلة بن هبيرة الشيباني عشرين ألف درهم على أن يذهب إلى معاوية ويقول له: إن زيادًا قد أكل فارس برًا، وبحرًا، وصالحك على ألفي ألف درهم، والله ما أرى الذي يقال إلا حقًا. فإذا قال: وما يقال؟ قال له: يقال إنه ابن أبي سفيان: ففعل مصقلة ذلك، ورأى معاوية أن يستميل زيادًا ويستصفي مودته باستلحاقه، فانفق معاوية وزياد على ذلك الاستلحاق، ثم أحضر معاوية الناس، وحضر من يشهد لزياد بذلك النسب، وكان فيمن حضر للشهادة أبو مريم السلولي، فقال له معاوية: بما تشهد يا أبا مريم؟ فقال أنا أشهد أن أبا سفيان حضر عندي وطلب مني بغيًا، فقلت له: ليس عندي إلا سمية. فقال: ائتي بها على قذرها ووضرها، فأتيته بها فخلا معها، ثم خرجت من عنده وإن أسكتيها ليقطران منيًا. فقال له زياد: مهلًا أبا مريم، إنما بعثت شاهدًا، ولم تبعث شاتمًا
فاستلحقه معاوية بعد هذا بنسب أبيه، وصار يدعى زياد بن أبي سفيان، وكان يدعى زياد بن عبيد. وقد اختلف الناس في هذا الحكم اختلافًا كبيرًا، فرأى كثير منهم أنه أول ما ردت