فهل تعثرت في الارتباك أو غض من طرفها الحياء؟ اختلط على عيني الأبصار والتوهم واصطرع في مجال إحساسي قوى الإدراك ونوازع الأمل. وعطفت رأسها عني برشاقتها الحلوة فاستقر بصري على خدها الوردي. وفي نشوتي وهيامي تجمعت وثبة الحياة الجارية في كياني في رغبة واحدة لا تقاوم. . . أن ألثم هذا الخد. وهوى عنقي نحوها في ذهول الوجد فلثمتها! والتفتت نحوي كالفزعة. ثم ضحكت ضحكة عالية ملأ رنينها أذني ومشاعري جميعًا؛ ثم طوقت عنقي بذراعيها وقبلتني في خدي! هل نلت المرام؟. رباه! كانت قبلة اقشعر لسريان برودتها جسدي، فجمد دمي في عروقي، وسكت قلبي عن الخفقان، واحترق وجهي خجلًا. كانت الطفلة المرحة البريئة تقبل عمها حسن، وكان مثلي كمثل مجنون عاد إليه رشاده فجأة فوجد نفسه متجردًا وسط قوم عقلاء. ألا ما أبعد الشقة بين الأفعال والنيات! ألم تلتفت إلى في رشاقة الغزلان؟ ألم تطوق عنقي بذراعيها؟ ألم تطبع على خدي قبلة؟ ولكن أين من هذا كله الحب والولع؟! وشق على الخجل وشقت على الخيبة، وبينما راحت هي، وكأنها نسيت كل شئ، تروى لي ما شاهدت في السينما أمس، جعلت أحادث نفسي: رحماك اللهم! ماذا فعلت؟ أين جلدي وأين رشادي؟ وتساءلت محزونًا: ألا يجمل بي أن أشد الرحال إلى بيت غير هذا الحي؟!
نجيب محفوظ