العرب بدع من اللغات لا يلحقها تغير ولا تبدل، وذلك رأي واضح البطلان) وهو هنا يخلط بين اللحن وبين التغير الطبيعي الذي يطرأ على اللغة بالتدريج في الدهر الطويل والذي نشأت وتنشأ عنه اللهجات، والذي لا يمكن أن يعد من اللحن بحال. لكن لا علينا، فنحن هنا لا ننظر في صحة نتائجه، ولكن في اتساق تفكيره؛ إذ النتائج قد يرجع بطلانها إلى فساد المقدمات مع اتساق التفكير أو إلى فساد التفكير مع صحة المقدمات، كما قد يرجع طبعًا إلى فسادهما معًا. فلتكن مقدمات صاحب الكتاب ما تكون أفهو متسق التفكير؟
لقد أشار إلى هذه النقطة في موضعين آخرين على الأقل. أشار إليها عرضًا في صفحة 58 من الجزء الأول حين أراد توكيد تأثر نثر الصدر الأول بالمدنيات الأجنبية. قال: (ولا عبرة بما عرف عن فريق من العرب من الحرص على تربية أبنائهم تربية عربية صرفة، فإن هذا لم يكن يراد به صرف الشباب العربي عن فهم المدنيات الأجنبية، وإنما كان يراد به حمايته من العجمة التي كانت تعيب الأرستقراطية العربية، وتجعل صاحبها موضع السخرية بين معاصريه) وهو بهذا يشير طبعًا إلى ما هو معروف عن العصر الأموي من إرسال بعض الأمراء والخلفاء أبناءهم إلى البادية لينشئوا فيها على استقامة اللسان والسلامة من اللحن. لكن اقرأ الآن له من صفحة 21 من الجزء الثاني: (فإننا نرتاب في سلامة الأعراب من اللحن والغلط، ونرى أنهم قد يلحنون كما يلحن المولدون) ! إذن ففيم كان إرسال الأبناء إلى البادية حماية لهم من العجمة التي كانت تعيب الأرستقراطية العربية؟ لقد كان ذلك عبثًا إن صح رأي صاحب الكتاب في أن الأعراب قد يلحنون كما يلحن المولدون. ولو وقف قول صاحب الكتاب عند هذا لكان الخلف خفيًا بين طرفي أقواله الثلاثة وبين أوسطها، ولجاز أن يلتمس له شئ من عذر، لكنه - وهذا موضع العجب - علق على قوله الثالث في الهامش بما يأتي:
(ويجب أن نذكر أن الشعر الجاهلي والأموي كان يجري على قواعد من النحو لم تأخذ صيغة نهائية في التحديد والترتيب، كما اتفق ذلك في العصر العباسي؛ فأغلاط الجاهليين والأمويين ليست أغلاطًا بالقياس إلى لغتهم هم، وإنما هي أغلاط بالإضافة إلى اللغة التي حدد قواعدها النحويون) ! إذن فلم رميهم باللحن حين لا لحن ما داموا كانوا ينطقون طبق لغتهم هم، وافقت نحو العصر العباسي أو خالفته؟ إن هذا الرجل لا يدري أنه بقوله هذا قد