خصوصًا، وقد زعم صاحب الكتاب في الصفحة قبل ذلك أن السجع بعد أن ضعف سلطانه قليلًا في العصر الأموي - وكان غالبًا فيما زعم على عصر النبوة - أخذ يسترد قوته في أواخر القرن الثاني. وهذا معناه أن طلائع هجوم السجع ظهرت لا في القرن الثالث ولكن في أواخر القرن الثاني إن كان لكلام هذا الرجل قيمة ووزن، ولم يكن يكتب كل ما يرد على خاطره من غير تمييز أو تمحيص
ولم يقف صاحب الكتاب عند مجرد القول إن السجع (عاد يسترد قوته في أواخر القرن الثاني) بل تجاوز ذلك فزعم أنه بدأ يرى في أواخر القرن الثاني (رسائل يكاد يلتزم فيها السجع) . فإن صدق في قوله هذا كان ذلك أدل على الحين الذي أخذ السجع يغلب فيه من الشاهدين المشار إليهما آنفًا من كلام ابن المعتز في النصف الثاني من القرن الثالث، لأن ذينك الشاهدين ليس فيهما التزام ولا شبه التزام للسجع كما بينا لك. صحيح إنه جاء لابن المعتز بفقرة ثالثة طويلة كلها سجع لكنه كذلك جاء بفقرة فيها طول لكلثوم بن عمرو العتابي يؤيد بها قوله إن القرن الثاني شهد في أواخره رسائل يكاد يلتزم فيها السجع. فهذا كاتب من القرن الثاني وذاك كاتب من القرن الثالث، وبكل استشهد صاحب الكتاب على أن السجع بدأ يغلب في زمنه. وواضح أنه إذا كان السجع بدأ يغلب في أواخر أحد القرنين فمن المستحيل أن يكون بدأ يغلب في أواخر القرن الآخر؛ فصحة أحد القولين تبطل صحة القول الآخر من غير ريب على أننا إذا رجعنا إلى ما زعم صاحب الكتاب في أول صفحة 81 من أن السجع (كان يغلب على النثر في عصر النبوة، ثم أخذ سلطانه يضعف قليلًا في العصر الأموي وإن حرص عليه القصاص والخطباء وناقلوا أحاديث الأعراب) وقارنا ذلك بقوله عن السجع عقب ذلك مباشرة (إنه عاد يسترد قوته في أواخر القرن الثاني، وبدأنا نرى وسائل يكاد يلتزم فيها السجع) . فإننا نجد رأيًا ثالثًا لصاحب الكتاب لا يتفق مع بدء غلبة السجع في أواخر القرن الثاني ولا الثالث. ذلك أن السجع إذا كان غالبًا في عصر النبوة فضعفه قليلًا في العصر الأموي معناه نقص في مقدار غلبته لا انمحاؤها، فهو إذن في زعم صاحب الكتاب كان أيضًا غالبًا في العصر الأموي وإن دون غلبته في عصر النبوة؛ وهذا هو معنى وصف الضعف بالقلة إن كان لذلك الوصف معنى. وإذن تكون عودة السجع إلى استرداد القوة في أواخر القرن الثاني معناها عودته إلى ازدياد الغلب لا إلى