طوال هذه القرون من العرب وغير لعرب على السواء. في الوقت الذي نضج البحث فيه عن النواحي التشريعية والاجتماعية والتاريخية واللغوية. . .
أن سر التعبير القرآني قد بقي مغلقًا فلم يتأثر به الأدب العربي في صميمه مجرد تأثر. هناك اقتباسات ومحاكاة لفظية، ولكن الطريقة والاتجاه قد بقيا سرًا مغلقًا إلى الآن، ولو قدر للأدب أن يستقي من هذا المعين لمكان اليوم غير ما كان. . .
إن عيب الأدب العربي الأول - كما قلت في مقالي بالرسالة - أنه ضئيل الحظ من الصور والضلال، وأن الذي يغلب عليه هو المعاني الذهنية والحسية، والتعبيرات المباشرة التي لا تلقى ظلًا ولا تشع حياة. وهو في هذا نقيض الأسلوب القرآني الذي يجعل الصور والظلال قاعدة في التعبير، والذي يحيل المعاني المجردة والحالات النفسية صورًا ومشاهد وظلالًا. كما يحيل كل جامد في الطبيعة شخوصًا حية وكل مشهد من مشاهدها جديد كأنما تراه العين أول مرة والذي يصور المعاني الذهنية كما تبدو من خلال نفس حية. . . وهذا ما ينقص الأدب ليبلغ مداه.
ولن أستطيع هنا ضرب الأمثلة، ولأسرد بحث قد أستغرق مني أكثر من مائتي صفحة. ولكنني أستطيع أن أجزم بعد الاستقراء الممكن للشعر العربي أنه لم يستق من معين القرآن. فقد تحكمت فيه - مع الأسف - تقاليد الشعر الجاهلي فترة طويلة بعد وجود القرآن، ثم تحكمت فيه المباحث الفلسفية والذهنية منذ القرن الثالث بل قبل ذلك، فصار في معظمه أدبًا حسيًا ثم أدبًا ذهنيًا، وقلت فيه الصور والظلال لأنه أبعد عن معين الصور والظلال. فإذا آن له اليوم أن ترجع إلى هذا المعين، فسيجد فيه الزاد الكثير!. . . إذا كان تحكم كتاب بعينه في الأدب الإنجليزي قد عوق نموه فأننا كنا نتمنى تحكم كتاب بعينه في الأدب العربي ليدفع به إلى الأمام.
وعلى كثرة ما أجاد الأستاذ عادل وهو يتحدث عن عيوب الأساليب العربية في النثر، وعن الحسية والذهنية في الشعر، وعن القصور المعيب في قواعد النقد، فقد كان اندفاعه العنيف في هذا المجال سببًا في تجاوز القصد، ومجانية الصواب في بعض الأحيان، إننا نتفق معه في وجوب أن تملك نحن اللغة ولا ندعها تملكنا بأساليبها التقليدية، وكل ما ذكره في هذا الصدد بالغ غاية الجودة، ولكنه حين يتجاوز هذه المنطقة بأخذ في الغلو.