هذا الكتاب هو أهم وأعظم المؤلفات خطرًا من الناحية الثقافية في العصر الحاضر، ولا ترجع أهمية الكتاب إلى أن صاحبه وزير من وزراء الدولة، بل لأن المؤلف كان الأستاذ الفلسفة الإسلامية بالجامعة، وانه صاحب مدرسة لها شأنها في مصر والشرق. وليست هذه المدرسة دارًا ذات جدران يختلف إليها المدرسون والطلاب في أوقات معلومة، بل هي مدرسة روحية تعتمد على الطريقة والمذهب، والأسلوب والفكرة. وهي مدرسة قديمة زعيمها جمال الدين، ثم تلميذه محمد عبده، ثم تلميذه مصطفى عبد الرزاق.
منهج المدرسة الحرية في البحث، والتثبيت والتحقيق، والاعتماد على الثقافة الإسلامية الصحيحة، ومذهبها النهضة والإصلاح في العلم والدين.
والحرية أهم ما يميز منهج هذه المدرسة. ومن آيات ذلك أن زعماءها لم يجدوا حرجًا في الاطلاع على آثار الغربيين والمستشرقين، والأخذ بما في آرائهم من صواب، ونبذ ما جاء على لسانهم من أخطاء، ولاشك أننا استفدنا من طرائق الغرب في البحث، كما أننا نأخذ عنهم إلى جانب العلوم الحديثة كالطبيعة والكيمياء وعلم الحياة، التاريخ الإسلامي وعلوم الدين. ذلك أن المؤلفات الإسلامية في التاريخ والدين التي كتبت في عصور قديمة لا تلائم روح العصر الجديد ولا يتذوقها المحدثون الذين درجوا في دراساتهم على مناهج الغربيين الحديثة. ومن الخطر الشديد أن نستقي تاريخنا عن الغرب، ولا حيلة للشباب إلا الرجوع إلى هذه المؤلفات الأجنبية، لأن الطبيعة نشأتهم في الدراسة تدفعهم إلى ذلك. وقد كان مصطفى باشا رفيقًا في خطاب هؤلاء المستشرقين فقال: (أما بعد، فان الناظر فيما بذل الغربيون من جهود في دراسة الفلسفة الإسلامية وتاريخها لا يسعه إلا الإعجاب بصبرهم ونشاطهم وسعة اطلاعهم وحسن طريقتهم. وإذا كنا قد ألمعنا إلى نزوات في الضعف الإنساني تشوب أحيانا جهودهم في خدمة العلم، فأنا نرجو أن يكون في تيقظ عواطف الخير في البشر، وانسياقها إلى دعوة السلم العام، والنزاهة الخالصة والإنصاف والتسامح، مدعاة للتعاون بين الناس جميعًا على خدمة العلم باعتباره نورًا لا ينبغي أن يخالط صفاءه كدر)
فأنت ترى أن المؤلف اطلع على مقالات المستشرقين، ثم ناقشتها، ثم عاد إلى الأصول التي استقى منها الشرقيون نتائج أبحاثهم وهي الكتب والمخطوطات الإسلامية، ودرسها