الفكر الحر وبين اللاهوتيين الجامدين على أشد ما تكون عنفًا وحدة، وهي فرنسا، وهولنده، وإيطاليا.
واختار من كل بلد من البلدان الثلاثة فيلسوفًا واحدًا، لضيق الوقت، فمن فرنسا تخير - ديكارت - وعرض موجزًا من فلسفته التي بدأت بالشك، وانتقلت إلى إثبات الذات التي تشك! والتي ابتدأت بأن أخضعت حقائق الوجود إلى العقل، ثم استثنى الحقائق التي وصلتنا عن طريق الوحي، واعتبرها غير خاضعة للاختبارات العقلية، فكان ديكارت - وإن لم يوضح لنا الأستاذ المحاضر - متأرجحًا بين الفلسفة والدين، بين عقله وقلبه، ولعل في خوفه من سلطة الكنيسة، أو رجال الكنيسة بمعنى أدق، تعليلا لذلك التأرجح الذي تعرض له الأستاذ المحاضر في سرعة وخفة نلتمس له فيهما عذرًا لضيق الوقت، وانفساح مجال الموضوع الذي اختاره لمحاضرته القيمة.
ومن هولندا، تحدث الأستاذ الفاضل، عن - سبينوزا - ذلك الفيلسوف الذي نادى بمذهبه في وحدة الوجود، فأثار على نفسه ثائرة رجال الأكليروس، وأقام قيامة أولئك الذين في يدهم مقاليد الأمور فأجمعوا على تكفيره، وحرمانه، واضطروه أن يعيش منبوذًا من الناس، وأن يكدح لينال بلغة من العيش تقيم أودهن بعد أن هاجر من البلد الذي أصدر قرار حرمانه، وغير اسمه، وكان ينشر مؤلفاته بأسماء مستعارة. درءًا لأخطار المصادرات، وما وراء المصادرات، مما كانت تحفل به عهود محاكم التفتيش.
أما في إيطاليا، فقد كان لجاليليو قصة - أو مأساة كما سماها الأستاذ المحاضر - تبعث على كثير من الأسى، فقد اضطهد هذا الرجل من أجل عقيدته أقسى الاضطهاد، وحوكم مرتين أمام محكمة التفتيش وسجلت مؤلفاته في القائمة السوداء - أو الفهرست!! - كما كان يطلق عليه، وقد حرص الأستاذ الطويل على أن يذكرنا أنه اختار جاليليو، وتحدث عنه كفيلسوف - على الرغم من أنه كان عالم فلك ولم يكن فيلسوفًا، لأن الفلسفة في القرن السابع عشر كانت تعتبر عالم الفلك فيلسوفًا، ولم تكن العلوم قد تحررت بعد من حظيرة الفلسفة.
والطريف، فيما عرضه الأستاذ المحاضر، من رأي جاليليو عن دوران الأرض وعن النظام الكوبرنيكي الذي قال به، أقول الطريف في ذلك أن الإسكندرية كما حرص الأستاذ