هذا المبلغ صار أذى لن يشجع، وضررًا على الأدب وأهله، لأن من يشجع على الادعاء والغرور والعدوان يؤذي ولا يبقى فيه مصطلح، ويصدق أنه صار زبيبا وإن كان في ذاته حصرمًا حامضًا يلذع اللسان ويجرح الحلق، ويكون عند نفسه أستاذًا جليلًا، وعلمًا مشهورًا وهو عند الناس تلميذ صغير. . . ولأن الأدب إذا كثر الأدعياء فيه والواغلون عليه، وتصدر الجهلة مجالسة وامتهن العلماء الأبيناء هان الأدب وسقط. وهل في الهوان أهون من أن يكتب (زيد) من الأدباء مائة مقالة، يبذل فيها الغالي من عمره ومن قوته، ومن دم قلبه وضياء عينيه، بعد أن استعد لها بالدرس والتحصيل وسهر الليالي في مدارسة كتب العلم ومطالعة أسفار الأدب، وصرم في ذلك الدهر الأطول فيأتي (عمرو) فيختصر الطريق، ويقفز من فوق الجدران فلا يقرأ شيئًا ولا يكتبه، ولكن يكتب مقالة يقول فيها عن نفسه: إن له مائة مقالة أو يسخر صديقًا له ليقول عنه إنه أحسن من (زيد) ذاك، وأرسخ منه في الأدب قدمًا، وأضخم منكبًا، وأعلى هامة، ويصدق ذلك القراء ويستوي عندهم الرجلان. أو هو يسب العاملين بدلا من أن يعمل، وينقص أقدار الرجال ليزيد بما ينقص منهم، ويعلو بما يظن أنه يخفض من منازلهم. . .
.. . خبروني بالله إن كنتم تعلمون، كيف يكون التدجيل إن لم يكن هذا تدجيلًا؟!
أما إنني لا أدعو إلى احتكار الأدب وما في سوق الأدب احتكار، ولكن أدعو المجلات المصرية المحترمة أن تتريث في نشر ما يحمله إليها البريد من مقالات النقد والتقريظ والكلام في الأدب وأهله حتى تعرف الكاتب، ومبلغ الثقة يخبره وحكمه، ومكانته في بلده، وألا تدع أسماء الكبار من أدباء الأقطار العربية مضغة في فم كل محب للشهرة، يشتهي أن يكون كاتبًا ولم يعد للأمر عدته
وأنا لا ألوم الشباب أن يستمرئوا التدجيل ويستسهلوا طريقة، ويستصعبوا الجد والدأب ودخول البيوت من أبوابها. فهذا هو شأن الشباب، وكلنا كان كذلك أو كان قريبًا منه، ولكنا لم نجد مجلات تعيننا عليه ووجدوها، وها أنذا قد دانيت الأربعين، وأظن أني كتبت من الصحائف المنشورة ما يزن أرطالًا، وإني والله ما أبعث اليوم بمقالة إلى مجلة إلا مستحييًا منها ألا تكون للنشر صالحة، وخائف أن تصير لقي، أفلا يحق لنا أن نعجب من صفاقة أقوام من هؤلاء الكاتبين وأن نعتب على هذه المجلات المحترمة، إذ تضع الشيء في غير