وما نشأ هذا الخلط وعمت هذه الفوضى في الأساليب والتعبيرات وطغت الروح اللغوية الأعجمية على روح اللغة العربية إلا لأن الترجمة نفسها لا تخضع لنظام. حتى أن كل من أتقن لغة أعجمية أو اعتقد أنه أتقنها استباح لنفسه الترجمة منها دون مراعاة لمبلغ قدرته في اللغة المنقول إليها. وإنه ليسهل عليك أحيانًا أن تفهم بعض التعبيرات في لغتها الأصلية عن أن تفهمها في اللغة العربية؛ وذلك لأن المترجم إما أن يكون ضعيفًا في اللغة العربية فلا يحضره من الألفاظ ما يسد به حاجة الترجمة، أو يكون ضعيفًا في اللغة الأعجمية فينقل إليك التعبير دون تصرف فيه فتكون ترجمة حرفية سقيمة المعنى أو خلوًا منه - وإني لأذكر - وأنا لا زلت طالبًا بمصر - أن كنا ندرس في كتاب مترجم في (النظريات السياسية) . ولقد كان أكره الدروس إلى نفوسنا درس هذه المادة لمحببة النافعة. كان ذاك لتعقد في أسلوب الكتاب كثيرًا ما دعانا إلى أن نقف عند كل سطر وأن نكون أحيانًا حلقات ندرس فيها ما يراد وما لا يراد من هذه العبارة أو تلك. وما أكثر ما ترانا على أستاذ المادة - وكان أحد المترجمين - حتى لكنا نلجئه إلى قراءة الكتاب في (الفصل) لنفهم عباراته. وإن انتشار هذه التراكيب الركيكة في اللغة السائدة في الكتب والصحف ليتسرب إلى لغة كثير من فضلاء العلماء والأدباء دون أن يشعروا بأنهم ينزلون بلغتهم درجات. خذ مثلًا كتابًا من كتب القانون أو اقرأ الدروس التي يلقيها على طلبته بعض الشبان من رجال القانون الحديثي العهد بالتدريس باللغة العربية وستتبين من غير عسر روح الترجمة فيها. وإني لأنقل إليك عبارة واحدة على سبيل المثال تجدها في مذكرات للقانون الجنائي لعالم فاضل وأترك لك الحكم عليها.
(إذن فطبقًا للرأي الذي ساد المراد بالاختلاس أن الجاني يأتي بحركة مادية يخرج بها الشيء من حوزة غيره ويستولي عليه. وليس بذي شأن أن ينقل الجاني الشيء بيده كحالة اللص الذي ينشل محفظة من جيب المجني عليه أو بواسطة كمن يحرض كلبه. . . كذلك يكفي أن يهيئ الجاني أسباب الانتقال وبعد ذلك يتم انتقال الشيء من تلقاء نفسه. . . الخ؟
وأمثال هذه التعبيرات كثير: أنا شخصيًا لا أقبل هذا , ' (قابل صاحب الدولة رئيس الوزراء بوصفه وزيرًا للخارجية. .) (هذا الأمر بالقياس إلى هذا. . .) (من وقت لآخر) وهكذا وهكذا.