الآمال الباسمة. ولكن حياة بغداد الدافقة بالنعيم الغارقة في اللذة، لم تستطع أن تُنسى الملك الحزين عرشه الصخري في الوادي الجديب؛ فكان لا يفتأ يحن إلى مُلكه المغضوب حنينًا شعريًا صامتًا يذيب الكلي ويستوقد الجوان، إلا أن أثره لا يبين تحت سمة الملك إلا لمن دخل في أمره ووقف على سره
كنت كثيرًا ما أقضي أصيل اليوم في حضرته، وكان (مفتي بغداد) لا ينقطع عن مجلسه في هذه الساعة؛ وكان للملك رحمه الله عطف على منشؤه فيما أظن للأدب، وميله إلى مصر، وأنسه بالغريب. فهو يجب أن يناقلني الحديث، ولكن (المفتي) سامحه الله رجل يرى من حق العالم أن يقول في كل شيء وأن يجيب عن كل شيء، وهو لا ينطق إلا ببيت من الشعر أو أثر من الحديث أو آية من القرآ،؛ أما ارتباط ما يقول بما يسمع فذلك ما كنا نعجز دائمًا عن فهمه. كان الملك يبدأ الكلام فلا يكاد يمضي فيه حتى يقطعه عليه بحكاية عرضية أو مسألة فقهية! فأرفع طرفي اليه لعل عزة الملك تشع في عينه أو تثور في وجهه، فلا أجده إلا باسمًا للمتكلم، مصغيًا كالمتعلم، هادئًا كالشعاع الشاحب في شفق الخريف! على أنه كان يصحح للشيخ ما يَقْمشُ من الشعر وينتف من الأمثال، ويتخذ ذلك مادة للحديث وموضوعًا للمشاركة، فيسفر قوله عن ذوق صاف وبصيرة نافذة.
ولا أنسى ما حييت استشهاده في بعض الكلام على قلب الميم باء في قول بعض العرب بكة في مكة، بالمثل المعروف: (تمخض الجبل فولد فأرًا) مرجحًا أن الجبل هو الجمل في لحن هذه القبيلة
لذلك كان إذا شاء الحديث صفوًا من المقاطعة واللغو أمرني فمثلت بين يديه في ساعة بعينها، فيقضي إلي بطرَف من ماضي حياته، أو يملي على بعضًا من مذكراته. وقد لا يكون من المناسب اليوم - وأنا في موقف الرثاء والعزاء والأسى - أن أثبت في هذا المقام شيئًا من ذلك
ولكنه كان يلهج دائمًا بمصر، ويرصد كوكب آماله في مصر. . . وحاول أن يقنع المصريين الذين خاصموه في سبيل الترك أن ثورتهم على الخلافة كانت بالحق وللحق، وأن أباه لم يال الترك نصحًا ألا يطأطئوا إشراف العرب، وألا يغمزوا نحوه العرب، وان يعدلوا عن سياسة الجهل، ويكفوا عن جرائم القتل، فاستغشوا الناصح وذهبوا بأنفسهم