وطاقية وكان أعطاهما ابن هوار للشنبكي وأعطاهما الشنبكي لتاج العارفين أبي الوفاء وأعطاهما تاج العارفين للشيخ علي ابن الهيتي، وأعطاهما ابن الهيتي للشيخ علي بن إدريس ثم فقدتا، ومكث رضي الله عنه ثمانين سنة ليس له خلوة ولا معزل بل ينام بين الفقراء، وذلك لأن فتحه أتاه من طريق الوهب، وكان الشيخ عبد القادر رضي الله عنه يقول: لما دخل بغداد كل من دخل بغداد من الأولياء في عالم الغيب، والشهادة فهو في ضيافتنا، ونحن في ضيافة الشيخ علي بن الهيتي، وكان الشيخ عبد القادر يقول: انفتق رتق قلب علي بن الهيتي، وهو ابن سبع سنين فكان يخبر عن المغيبات، وتظهر على يديه الكرامات، وأجمعت العلماء على جلالته وعلو منصبه رضي الله تعالى عنه.
ومن كلامه رضي الله عنه الشريعة ما ورد به التكليف، والحقيقة ما حصل به التعريف فالشريعة مؤيدة بالحقيقة، والحقيقة مقيدة بالشريعة، والشريعة، وجود الأفعال لله، والقيام بشروط العلم بواسطة الرسل والحقيقة شهود الأحوال بالله تعالى، والاستسلام لغلبات الحكم بتقدير لا بواسطة.
وكان رضي الله عنه يقول: ما دام التمييز باقيًا كان التكليف متوجهًا، وكان يقول: علامة صحة الحال أن يكون صاحبه محفوظًا في أحوال غلبته كما كان مغلوبًا في أوقات صحوه، وكان يقول: الأحوال كالبروق لا يمكن استجلابها إذا لم تكن، ولا استبقاؤها إذا حصلت إلا أن يجعل بعض الأحوال غذاء لأحد فيربيه الحق فيه فيصير وطاء له، ومثوى، وكان رضي الله عنه يقول: الحق تعالى وراء كل ما أدركه الخلق بأفهامهم أو أحاطوا به بعلومهم، وأشرفوا عليه بمعارفهم، وكان رضي الله عنه يقول: كل من كوشف بشيء على قدر قوته، وضعفه ربط به وكان يقول: كل من كوشف بالحقيقة أو شاهد الحق أو اختطف عن مشاهده بوجود الحق أو استهلك في عين الجميع، أو لم يشهد سوى الحق تعالى، أو لم يحس سوى الحق أو هو محو في حق الحق، أو مصطلم فيه بسلطان الحقيقة، أو متجل له الحق بجلال الحق إلى آخر ما يعبر عنه معبر، أو يشير إليه مشيرًا، أو ينتهي إليه علم فإنما هي شواهد الحق، وحق من الحق له، وكل ما بدا على الخلق فذاك مما يليق بالخلق، وهو من حيث الخلق، وجميع ما تحقق بوصفه خلق فهي أحوال، والأحوال من صفات أهل المعرفة، ولا سبيل لمخلوق إلا إلى الأحوال، والغيبة عن الأحوال والتنفي عن الأحوال حالة من جملة الأحوال، والتوحيد فوق المعارف، وكان رضي الله عنه يتمثل كثيرًا بهذه الأبيات:
إن رحت أطلبه لا ينقضي سفري ... أو جئت أحضره أوحشت في الحضر
فلا أراه، ولا ينفك عن نظري ... وفي ضميري، ولا ألقاه في عمري
فليتني غبت عن جسمي برؤيته ... وعن فؤادي وعن سمعي، وعن بصري
سكن رضي الله عنه رزيران بلدة من أعمال نهر الملك إلى أن مات بها سنة أربع وستين وخمسمائة، وقد علت سنة على مائة وعشرين سنة، ربها دفن وقبره بها ظاهر يزار. ورزيران على وزن قفيزان.
رضي الله تعالى عنه
هو من أكابر مشايخ العراق، وأعيان العارفين، وصدور المقربين صاحب الأحوال الفاخرة، والكرامات الظاهرة والتصريف النافذ.
وكان رضي الله عنه يقول: أنا بين الأولياء كالكركي بين الطيور أطولهم عنقًا، وكان رضي الله عنه يتكلم في الشريعة، والحقيقة بطغسونج على كرسي عال، ويحضره المشايخ والعلماء، ويلبس لباس العلماء، ويركب البغلة. ومن كلامه رضي الله عنه المراقبة لعبد راقب الحق بالحق، وتابع المصطفى صلى الله عليه وسلم في أفعاله، وأخلاقه وآدابه والله عز وجل قد خص أحبابه، وخاصته بأن لا يكلهم في شيء من أحوالهم إلى نفوسهم، ولا إلى غيره فهم يراقبون الله تعالى، ويسألونه أن يرعاهم فيها، والمراقبة تقتضي حال القرب، والله عز وجل قرب القلوب إليه بما هو قريب منها فهو يقرب من قلوب عباده على حسب ما يرى من قرب قلوب عباده منه فانظر بماذا يقرب من قلبك، وحال القرب يقتضي حال المحبة وهي تتولد من نظر القلب إلى الله عز وجل، وجلاله، وعظمته، وعلمه، وقدرته فطوبى لمن شرب كأسًا من محبته وذاق نغبًا من مناجاته فامتلأ قلبه حبًا فطار بالله طربًا، وهام به اشتياقًا ليس له سكنى، ولا مألوف سواه فهو محب خرج من رؤية المحبة إلى المحبوب بفناء علم المحبة من حيث كان له المحبوب في الغيب ولم يكن هو بالمحبة فإذا خرج المحب إلى هذه النسبة كان محبًا بلا علة، والمحبة تقتضي الذكر فلا يزال المحب يذكر