يا أبي فقال يا بنيتي ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة وكان يقول: من أطاع الله تعالى فهو ذاكر ومن عصاه فليس بذاكر وإن أكثر التسبيح وتلاوة القرآن.
وقيل له: من أعبد الناس فقال: رجل اجترح من الذنوب ثم تاب فكلما ذكر ذنوبه احتقر عمله، وكان إذا طلع الفجر لا يتكلم إلا بذكر الله تعالى حتى يصلي الصبح، ولما قطع الحجاج رأسه قال: لا إله إلا الله مرتين ثم قال: الثالثة فلم يتمها، ولما وعدوه بالقتل غدًا قال للحراس: دعوني أتأهب للموت وآتيكم غدًا فتنازعوا في ذلك خوف الهرب ثم إنه غلب عليهم صدقة، فأطلقوه، ثم جاءهم من الغد فقدموه للقتل وبسط النطع وجاء السياف فذبحه على النطع، وكان قد قال: الفهم لا تسلط الحجاج على أحد بعدي فعاش الحجاج بعده خمس عشرة ليلة ووقعت الأكلة في بطنه، وكان ينادي بقية حياته مالي ولسعيد بن جبير كلما أردت النوم أخذ برجلي. قتل سنة خمس وتسعين رضي الله تعالى عنه ورحمه.
رضي الله تعالى عنه ورحمه
مر رضي الله عنه برجل يغتابه فأنشد:
هنيئًا مريئًا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
وكان يقول: إياكم والقياس في الدين فإن من قاس فقد زاد في الدين، وكان يقول: لأن أقيم في حمام أحب إلي من أن أقيم بمكة قال سفيان رضي الله عنه: إعظامًا لها وخوفًا من وقوع ذنب فيها، وكان يقول: اتقوا الفاجر من العلماء، والجاهل من المتعبدين، فإنهما فتنة لكل مفتون، وكان رضي الله عنه يقول: لم يحضر وقعة الجمل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أربعة علي وعمار وطلحة والزبير فإن جاءوا بخامس فأنا كاذب وقيل له مرة يا فقيه فقال: لست بفقيه، ولا عالم إنما نحن قوم سمعنا حديثًا فنحن نحدثكم بما سمعنا، وإنما الفقيه من تورع عن محارم الله عز وجل، والعالم من خشي الله تعالى بالغيب، وكان رضي الله تعالى عنه يقول: تعايش الناس بالدين زمنًا طويلا حتى ذهب الدين، ثم تعايشوا بالمروءة زمنًا طويلا حتى ذهبت المروءة، ثم تعايشوا بالحياء زمنًا طويلا حتى ذهب الحياء، ثم تعايشوا بالرغبة والرهبة، وسيأتي بعد ذلك ما هو أشد منه.
وكان يقول: ليتني لم أتعلم علمًا وددت أن أخرج من الدنيا كفافًا لا علي ولا لي وكان رضي الله عنه يقول: ما بكينا من زمان إلا وبكينا عليه وكان رضي الله عنه يقول: أدركنا الناس وهم لا يعلمون العلم إلا لعاقل ناسك وصاروا اليوم يعلمونه لمن لا عقل له ولا نسك.
مات رضي الله عنه بالكوفة سنة أربع ومائة وهو ابن سبع وتسعين سنة رضي الله تعالى عنه.
رضي الله تعالى عنه
كان يقول: أما يستحي أحدكم أن تكون ذابته أكثر ذكرًا لله منه وكان لا يفتر عن التكبير والتسبيح والنهليل. ولما صلبه الحجاج على بابه كان يسبح ويهلل ويكبر على الخشبة ويعقد بيده حتى بلغ تسعًا وعشرين، ثم طعنوه على تلك الحالة فمكث شهرًا مصلوبًا، وسئل عن أعمال القوم فقال: كانت أعمالهم قليلة وقلوبهم سليمة رضي الله عنه.
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يقول: لا تعودوا أنفسكم الراحة فتشقى غدًا وكان يقول إن استطعت أن لا تعرف فافعل فقد فسدت الدنيا وليس فيها لغير العزلة متسع، وكان رضي الله عنه يقول: الجوع يصفي الفؤاد ويميت الهوى ويورث العلم وكان من أكثر الناس صيامًا في الهواجر وكان قد آلى على نفسه أن لا يضحك قط حتى يعلم أيصير إلى جنة أم إلى نار، فأخبر غاسله أنه لم يزل متبسمًا على سريره، ويقول: قدمت على رب كريم.
توفي رضي الله عنه سنة أربع ومائة، وكان له مال كثير فأنفقه كله على أصحابه قال بعضهم دخلت يومًا عليه وهو يعجن في جفنة ودموعه تسيل ويقول: لما قل مالي جفاني أحبابي والله أعلم.
رضي الله تعالى عنه
كان يقول: إن الشيطان ليجلب على المؤمن بكثر من ربيعة ومضر، وكان رضي الله عنه ورعًا زاهدًا.
ودخلت في داره جارية تأخذ نارًا فقالت لها امرأته: مكانك حتى أشوي لطلحة قديده الذي يفطر عليه على سيخك الحديد، فلم يذقه، وقال حتى ترسلي إلى سيدتها تستأذنيها في حبسك إياها وشواء القديد على حديدها وكان إذا رفعوه على أحد من أقرانه يذهب ويقرأ عليه، ويجلس بين يديه ليدفع بذاك ما توهمه الناس فيه من أنه أعلم منه، وكانوا إذا ذكروا عنده الاختلاف يقول لا تقولوا الاختلاف ولكن قولوا السعة، وكان رضي الله عنه يقول: لقد أدركنا أقوامًا