رضي الله تعالى عنه
كان يظل نهاره أجمع يتفكر فيما هو صائر إليه، وكان يقول: لو أن صاحب المنزل يدعنا فيه لملأناه أمتعة، ولكنه يريد نقلتنا منه، وكان يرى تحريم إدخال ما زاد على نفقة اليوم، وكان الرجل يدخل عليه، فيقلب بصره في بيته فلا يجد فيه شيئًا من أمتعة الدنيا رضي الله عنه.
رضي الله تعالى عنه
صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: أحب يوم أكون فيه حين يأتيني أهل بيتي فيقولون ما عندنا شيء نأكله لا قليل ولا كثير.
وبكى يومًا في صلاته ثم التفت فرأى وراءه رجلا فقال لا تعلمن بهذا أحدًا، وكان رضي الله عنه يقول سيأتي على الناس زمان، يقال للرجل فيه ما أظرفه ما أعقله! وما في قلبه مثقال ذرة من إيمان. وكان يقول ليس خيركم الذين يتركون الدنيا للآخرة ولكن خيركم الذين يتناولون من كل منهما.
رضي الله تعالى عنه
كانت له هرة صغيرة فكني بها، وكان يقول لولا آية من كتاب الله عز وجل ما حدثتكم بشيء أبدًا"إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى"، وكان يخدم الناس قبل صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطنه، وكان لا يسأل الناس شيئًا، وكان رضي الله عنه يسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، ويقول أسبح بقدر ذنبي، ورفع يومًا على جاريته سوطًا ثم قال: لولا خوف القصاص لأوجعتك، ولكن سأبيعك لمن يوفيني ثمنك، اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى، وكان هو وامرأته وجاريته يقسمون الليل أثلاثًا يصلي هذا ثم يوقظ هذا ويصلي هذا ثم يوقظ هذا.
وكان يقول ما وجع أحب إلى من الحمى لأنها تعطي كل مفصل قسطه من الأجر بسبب عموم الجسد والوجع.
وكان يقول المرض لا يدخله رياء ولا سمعة بل هو أجر محض. وقد قسم الشيخ عبد القادر الجيلي رضي الله عنه على ثلاثة أقسام عقوبة وكفارة ورفع درجة، فالعقوبة ما صاحبه السخط والكفارة ما صاحبه الرضا، والصبر والدرجة ما صاحبه الرضا، وانشراح الصدر، وكان يحمل حزمة الحطب على رأسه وهو يومئذ خليفة لمروان ويقول أوسعوا الطريق لأميركم، ولما حضرته الوفاة بكى فقيل له في ذلك فقال: أبكي على بعد سفري وقلة زادي وأني أصبحت على مهبط جنة أو نار لا أدري أيهما يأخذ بي. توفي في المدينة في خلافة معاوية وله ثمان وسبعون سنة رضي الله عنه.
رضي الله تعالى عنهما
كان يقول يا صاحب الذنب لا تأمن شر عاقبته فإن ضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظم من الذنب وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب وعدم اضطراب قلبك من نظر الله تعالى إليك وأنت على الذنب أعظم من الذنب. وكان مجرى الدموع في وجهه كأنه الشراك البالي، وكان رضي الله عنه يقول: لو بغى جبل على جبل لدك الباغي، وكان يقول يأتي على الناس زمان يعرج فيه بعقول الناس حتى لا تجد فيه أحدًا ذا عقل، وكان يجلس يومًا للفقه، ويومًا للمغازي، ويومًا للشعر، ويومًا لأيام العرب.
قلت: ومعنى الشعر أن يذكره استشهادًا للغة العرب، وكان يقول لا يقبل الله صلاة امرئ في جوفه حرام، وكان يقول عيادة المريض سنة، فما زاد فهو نافلة، والله أعلم.
رضي الله تعالى عنه ورحمه
كان من عباد الصحابة وكان إذا قام في الصلاة كأنه عمود من الخشوع، وكان يسجد ويطيل السجود حتى تنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جدار حائط، وكان يحيي الدهر كله ليلة قائمًا حتى يصبح، وليلة يحييها راكعًا، حتى يصبح وليلة يحييها ساجدًا، حتى يصبح وكان يسمى حمامة المسجد.
قتل سنة ثلاث وسبعين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وصلب على باب الكعبة وكان أطلس لا لحية له، وقتله الحجاج حين بويع له بالخلافة وأطاعه أهل الحجاز هو واليمن، والعراق وخراسان وأقام في الخلافة تسع سنين ثم حاصره الحجاج بمكة.
رضي الله تعالى عنه
ولد في النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أذنه وسماه الحسن، وكان حليمًا كريمًا ورعًا دعاه ورعه وحلمه إلى أن ترك الدنيا، والخلافة لله عز وجل، وكان من المبادرين إلى نصرة عثمان رضي الله عنه.
وولي الخلافة بعد قتل أبيه وبايعه أكثر من أربعين ألفًا، كانوا بايعوا أباه، وبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالحجاز واليمن والعراق وخراسان وغير ذلك، ثم سار إليه معاوية من الشام وسار إلى معاوية فلما تقاربا علم أنه لن تغلب إحدى الطائفتين حتى يقتل أكثر الأخرى، فأرسل إلى معاوية يبذل له تسليم الأمر على أن تكون الخلافة له من بعده، وعلى أن لا يطالب أحدًا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان أيام أبيه وغير ذلك، من القواعد، فأجابه معاوية إلى ما طلب فاصطلحا على ذلك وظهرت المعجزة النبوية في قوله صلى الله عليه وسلم:"إن ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"وكان ذلك إحدى وأربعين وكان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال القضاعي ولم يمت الحسن حتى قتل عبد الرحمن بن ملجم قاتل الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وسمع رضي الله عنه رجلا يسأل الله عز وجل أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف الحسن وأرسل بها إليه، وكان يقول: إني لأستحيي من ربي عز وجل، أن ألقاه ولم أمش إلى بيته، فمشى عشرين مرة إلى مكة من المدينة على رجليه، وكانت الجنائب تقاد معه، وخرج من ماله لله تعالى مرتين، وقاسم الله تعالى ثلاث مرات حتى إنه كان ليعطي نعلا ويمسك نعلا، وكان رضي الله عنه يجيز الواحد بمائة ألف درهم وكان إذا اشترى من أحد حائطًا ثم افتقر البائع يرد عليه الحائط ويردفه بالثمن معه، وما قال قط لسائل لا، وكان لا يعطي لأحد عطية إلا شفعها بمثلها، وكان يقول لبنيه وبني أخيه تعلموا العلم فإن لم تستطيعوا حفظه فاكتبوه وضعوه في بيوتكم، ولما شرب السم تقطع كبده فقال: إني قد سقيت السم مرارًا فلم أسق مثل هذه المرة، وقال له الحسين رضي الله عنه يا أخي من تتهم؟ قال لم؟ قال لنقتله قال إن يكن الذي أظنه فالله أشد بأسًا وأشد تنكيلا، وإن لم يكن فما أحب أن يقتل بي بريء، فلما نزل به الموت قال: أخرجوا فراشي إلى صحن الدار، فأخرج فقال اللهم إني أحتسب نفسي عندك فإني لم أصب بمثلها ثم قبض سنة خمسين ودفن بالبقيع رضي الله عنه.
رضي الله تعالى عنهما
ولد في شعبان سنة أربع من الهجرة وكان له من الأولاد خمسة: علي الأكبر وعلي الأصغر وله العقب فإن الأشراف الآن منه وجعفر وفاطمة، وسكينة المدفونة بالمراغة بقرب السيدة نفيسة.
وحج رضي الله عنه خمسًا وعشرين حجة ماشيًا، وجنائبه تقاد بين يديه، وكان رضي الله عنه يقول: اعلموا أن حوائج الناس إليكم من نعم الله عز وجل عليكم فلا تملوا النعم فتعود نقمًا، وكان يقول من جاد ساد ومن بخل ذل، ومن تعجل لأخيه خيرًا وجده إذا قدم عليه غدًا.
وقتل رضي الله عنه شهيدًا يوم الجمعة يوم عاشوراء في المحرم سنة إحدى وستين وهو ابن ست وخمسين سنة.
وقال أهل السير إن الله عز وجل قتل بسبب يحيى بن زكريا خمسة وتسعين ألفًا وذلك دية كل نبي. ويروى أن الله تعالى أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني قتلت بيحيى بن زكريا خمسة وتسعين ألفًا ولأقتلن بالحسين ابن بنتك قدر ذلك مرتين". وروي أنه لما قتل الحسين رضي الله عنه احتزوا رأسه وقعدوا في أول مرحلة يشربون، فخرج عليهم قلم من حديد من حائط فكتب عليه سطرًا:
أترجو أمة قتلت حسينًا ... شفاعة جده يوم الحساب
وأنشدت أخته زينب المدفونة بقناطر السباع من مصر المحروسة برفع صوت ورأسها خارج من الخباء:
ماذا تقولون إن قال النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي ... منهم أساري ومنهم ضمخوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
وحملت رأسه إلى مصر ودفنت بالمشهد المشهور بها، ومشى الناس أمامها حفاة من مدينة غزة إلى مصر تعظيمًا لها رضي الله عنه.