العلماء من حلاوة لفظها، وكثرة ما فيها من التخويف للخصم حتى يرجع إلى الحق وكان رضي الله عنه يقول قد عشنا إلى زمان صار الخلق فيه في غمرة، ونسوا يومًا تشيب فيه الأطفال، وتسير فيه الجبال، وكان رضي الله كنه إذا مر على الأطفال يسلم عليهم، ويسألهم الدعاء، وكان رضي الله عنه يقول أدركنا جماعة يكون طول ليلهم، ويتضرعون في حق هذه الخليقة، ويقولون كل شيء نزل بهذه البلاد التي حولنا فهو بسوء أفعالنا، ولو خرجنا لخف عنهم البلاء رضي الله عنه. مات رضي الله عنه في شوال سنة ثلاث، وخمسين، وتسعمائة، ودفن بنواحي سيدي محمد المنير رضي الله تعالى عنهما.
رضي الله عنه
صحبته نحو ثلاثين سنة فما رأيته قط انتصر لنفسه ساعة، ونشأ رحمه الله تعالى على العبادة، والاشتغال بالعلم، وقراءة القرآن بالسبع ثم خدم الشيخ محمد بن عنان رضي الله عنه، وزوجة ابنته وقربه أشد من جميع أصحابه ثم أخذ بعض الطريق عن سيدي الشيخ علي المرصفي رضي الله عنه وأذن له أن يتصدر بعده لطريق الله تعالى، وأن يلقن كلمة التوحيد قالوا ولم يقع من الشيخ رضي الله عنه الإذن لغيره رضي الله عنه لعزة مقامه، ومعرفته بشروط أهل الطريق، وبرع رضي الله عنه في الطريق، وانتفع الناس على يديه في طريق الله تعالى، ووقع له كرامات كثيرة لا تحصى بحضرتي فمنها ما أعلم أنه كان يحب كتمانه فكتمته، ومنها ما سكت عنه فذكرته. وقد طلع لي مرة بواسير حتى حصل لي منها ضرر شديد فشكوت ذلك له فقال غدا تزول إن شاء الله تعالى في صلاة العصر فصليت العصر ونظرت فلم أجد لها أثرًا رضي الله عنه، وأعطى رضي الله عنه القبول التام عند الخاص، والعام حتى إذ بعضهم شرب ماء غسالة يديه من ذفر السمك، وعمر عدة مساجد في دمياط، والمحلة، وغيرهما، وكان رضي الله عنه كريم النفس ظريفًا حسن المعاشرة بطيء الغيط كثير التبسم زاهدًا في الدنيا كثير الوحدة في الليل وطوى الأربعين يومًا: وكان حلو المنطق لا تكاد تسمع منه إلا ما تحب، وربما جلست معه بعد صلاة العشاء فيطلع الفجر، ونحن في مجلس، واحد، وكنت أقدر الليلة بنحو سبع درج، وكان رضي الله عنه كثير التحمل لهموم الخلق حتى صار كأنه شن بال جلد على عظم، وما سمعته قط بعد نفسه من أهل الطريق، وكثيرًا ما كان يقول إذا سمع شيئًا من كلام أهل الطريق استراحت العرايا من شراء الصابون، وكان فتحه الكبير بعد وفاة شيخه رضي الله عنه فدخل الخلوة مرارًا، وما خرج حتى سمع الهواتف تأمره بذلك فخرج، ودعا الناس إلى طريق الله تعالى، ولقن رضي الله عنه نحو الشعرة آلاف مريد، ولم يزل على طريقته الحسني لم يتغير حتى مات. وكان رضي الله عنه يحط كثيرًا على فقراء المطاوعة ويقول لأنهم قطاع الطريق على فقراء الأرياف، وليس في طريقهم ترق لعدم الشيخ الذي يبين لهم الأخلاق. ولم يكن حطه عليهم نقضًا فيهم إنما هو لمصلحة المريدين الذين أخذوا عنه الطريق، ولم تعلق فيهم صنارة، وذلك لأن عضب الكامل على الإنسان إنما هو لمصلحة ذلك الإنسان لا حظًا للنفس فأفهم وسبق سيدي أبا العباس إلى ما ذكرناه سيدي محمد الغمري، وسيدي مدين، وغيرهما فكانوا كلهم ينهون جماعتهم عن الاجتماع بالمطاوعة لهذه العلة التي تقدمت، والله أعلم، ولما حضرته الوفاة قال لسيدي أحمد بن محيي الدين الغمري، وللحاضرين خرجنا من الدنيا، ولم يصح معنا صاحب في الطريق. قلت: وكذلك وقع لسيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه. فقيل له إن من أصحابك فلانًا وفلانًا فقال رضي الله عنه هؤلاء من معارفنا إنما صاحبك من شرب من بحرك. توفي رضي الله عنه بثغر دمياط في سنة خمس، وأربعين، وتسعمائة، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله عنه، ولقد قصدته في حاجة، وأنا فوق سطوح مدرسة أم خوند بمصر فرأيته خرج من قبره يمشي من دمياط، وأنا أنظره إلى أن صار بيني وبينه نحو خمسة أذرع فقال عليك بالصبر، ثم اختفى رضي الله عنه.
رضي الله تعالى عنه
وهو أطول أشياخي خدمة خدمته خمسًا وثلاثين سنة لم يتغير علي يومًا واحدًا، وشوني اسم بلدة بنواحي طندتا بلد سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه ربي بها صغيرًا ثم انتقل إلى مقام سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه، وأنشأ فيه مجلس الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو شاب أمرد فاجتمع في ذلك المجلس خلق كثير، وكانوا يجلسون فيه من بعد صلاة المغرب ليلة الجمعة إلى أن يسلم على المنارة لصلاة الجمعة ثم إنه خرج يشيع جماعة مسافرين إلى مصر في بحر الفيض فخرجت