عليه كركبت بطن الشيخ عبد القادر، وساح هرره على المسطبة التي كان قاعدًا عليها، فقال الله يلقيك فعرف أنه أبو خودة رضي الله عنه، وكان الشيخ عبد القادر قد كف بصره، وكانت خودة سيدي على من الحديد، وكان زنتها قنطارًا، وثلثًا لم يزل حاملها ليلًا، ونهارًا، وكان شيخًا أسمر قصيرًا، وكان معه عصا لها شعبتان كل من زاحمه ضربه بها وكان رضي الله عنه يهوى العبيد السود، والحبش لم يزل عنده نحو العشر يلبسون الخود لكل واحد منهم حمار يركبه فكانوا هم جماعته كل موضع ركب يركبون معه، وما رآه أحد يصلي مع الناس إلا وحده.
وكان رضى الله عنه إذا رأى امرأة أو أمرد راوده عن نفسه، وحسن على مقعدته سواء كان ابن أمير أو ابن وزير، ولو كان بحضرة والده أو غيره، ولا يلتفت إلى الناس، ولا عليه من أحد وكان إذا حضر السماع يحمل المنشد، ويجري به كالحصان، وأخبرني الشيخ يوسف الحريثي رضي الله عنه قال: كنت يومًا في دمياط، فأراد السفر في مركب قد انوسقت، ولم يبق فيها مكان لأحد فقالوا للريس إن أخذتت هذا غرقت المركب لأنه يفعل في العبيد الفاحشة، فأخرجه الريس من المركب فلما أخرجوه من المركب قال: يا مركب تسمري، فلم يقدر أحد يسيرها بريح، ولا بغيره، وطلع جميع من فيها، ولم تسر، وأخبرني أيضًا أنه نزل معه في مركب، فمرس عليها الريح فضربها بعكازه فلم تتزحزج فنزل هو وعبيده يمشون على الماء إلى أن وصلوا إلى شربين، والناس ينظرون ذلك.
وكان رضي الله عنه يخرج خلفه على قرقماش أمير كبير كان أيام الغوري، فيضربه بحضرة جنده فإذا آلمه الضرب يهرب منه فيتبعه، فإذا قفل عليه الباب خلعه فلا يستطيع أحد أن يرده حتى يرجع هو بنفسه، واجتمعت به مرات عديدة، وقال لي: مرة أحذر أن تنيكك أمك، فقلت: لعبد من عبيده ما معنى كلام الشيخ قال: يحذرك أن يدخل حب الدنيا في قلبك لأن الدنيا هي أمك. مات سنة نيف، وعشرين وتسمعمائة، ودفن بزاويته بالحسينية بالقرب من جامع الأمير شرف الدين الكردي رضي الله عنه، ورحمنا به والمسلمين.
رحمه الله تعالى
شيخ طائفة الفقراء بالشرقية كان من أرباب الأحوال، والمكاشفات، وكان رضي الله عنه يتكلم على سائر أقطار الأرض كأنه تربى فيها، ورأيته مرة وهو لابس بشتًا من ليف، وعمامته ليف، ولما ضعف ولده أحمد، وأشرف على الموت، وحضر عزرائيل لقبض روحه قال له: الشيخ ارجع إلى ربك فراجعه، فإن الأمر نسخ فرجع عزرائيل، وشفي أحمد من تلك الضعفة، وعاش بعدها ثلاثين عامًا، وكان رضي الله عنه يقول: للعصا التي كانت معه كوني إنسانًا فتكون إنسانًا، ويرسلها تقضى الحوائج ثم تعود كما كانت، وكراماته كثيرة، وكان رضي الله عنه يخرج من بلده شربين كل ليلة من المغرب لا يرجع إلى الفجر لا يعلمون إلى أين يذهب، وكان الأمير قرقماش، وغيره من الأمراء يعتقدونه اعتقادًا زائدًا، وعمر له زاوية عظيمه، ولم تكمل، وكان من طريقته أنه يأمر مريديه بالشحاتة على الأبواب دائمًا في بلده، ويتعممون بشراميط البرد السود، والحمر والحبال وكان الشيخ محمد بن عنان، وغيره ينكرون عليه لعدم صلاته مع الجماعة، ويقول: نحن ما نعرف طريقًا تقرب إلى الله تعالى إلا ما درج عليه الصحابة، والتابعون، وكان يقبض من الهواء كل شيء يحتاجون إليه للبيت، وغيره ويعطيه لهم، وأخبر بدخول ابن عثمان السلطان سليم قبل دخوله بسنتين، وكان يقول: أتوكم محلقين اللحاء، فكان الناس يضحكون عليه لقوة التمكين الذي كانت الجراكسة عليه، فما كان أحد يظن انقراضهم في مدة يسيرة. مات رحمه الله تعالى قبل العشرين، والتسعمائة ودفن بزاويته سربين، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله عنه.
رحمه الله تعالى آمين
بنواحي البحر الصغير: كان رضي الله عنه من الملامتية الأكابر، وأرسل لي السلام مرات، ولم أجتمع به إلا في النوم، ذلك أني سمعت قائلا يقول لا إله إلا الله على الدويب قطب الشرقية، وما كنت سمعت اسمه فسأله جماعة الشيخ محمد بن عثمان فأخبروني به، وقالوا له: موجود، وهو شيخ لشيخ محمد العدل الطناحي، وكان يلبس عمامة الجمالين ونعلهم، وعمر أكثر من مائة سنة رضي الله عنه، وكان مقيمًا في البرية لا يدخل بلده إلا ليلا، ويخرج قبل الفجر، وكان رضي الله عنه يمشي على الماء في البحر، وما رآه أحد قط نزل في مركب، وجاء إلى مصر أقام بها عشرين سنة، وكان لم يزل واقفًا تجاه المارستان بين القصرين من الفجر إلى صلاة العشاء، وهو متلثم وبيده عصا من شوم ثم تحول إلى الريف وظهرت له كرامات خارقة للعادة