فهرس الكتاب

الصفحة 295 من 334

الحال فخرج بالكلية، وكان رضي الله عنه يحفظ البهجة فكان لا تزال تسمعه يقرأ فيها، وذلك أن كل حالة أخذ العبد عليها يستمر فيها، ولو خرج عنها يرجع إليها سريعًا حتى إن من المجاذيب من تراه مقبوضًا على الدوام لكونه جذب على حالة قبض، ومنهم من تراه مبسوطًا، وهكذا، وكان الشيخ فرج المجذوب رضي الله عنه لم يزل يقول: عندك رزقة فيها خراج ودجاج، وفلاحون لكونه جذب وقت اشتغاله بذلك، وزمن المجذوب من حين يجذب إلى أن يموت زمن فرد لا يدري بمرور زمان عليه، ورأيت ابن البجائي رضي الله عنه لم يزل يقول: الفاعل مرفوع، والمخفوض مجرور، وهكذا لأنه جذب، وهو يقرأ في النحو، ورأيت القاضي ابن عبد الكافي رضي الله عنه لما جذب لم يزل يقول: وهو في بيت الخلاء، وغيره، ولا حق، ولا استحقاق، ولا دعوى، ولا طلب، ولا غير ذلك، ومن وقائعه رضي الله عنه أننا حضرنا يومًا معه وليمة فنظر للفقهاء في الليل، وزعق فيهم، وقال: لهم: كفرتم بكلام الله ثم حذفهم بقلة من الماء كانت بجانبه فصعدت إلى نحو السقف ثم نزلت فقال: فقيه منهم كسر القلة فقال: له كذبت فوقعت على الأرض صحيحة كما كانت، فبعد خمس عشرة سنة رأى الفقيه فقال له: أهلا بشاهد الزور الذي يشهد أن القلة انكسرت، ومكاشفاته مشهورة بين الأكابر بمصر من المباشرين وعامة الناس. مات رحمه الله سنة نيف وعشرين وتسعمائة رضي الله عنه وأرضاه آمين.

رضي الله عنه ورحمه

كان من أكابر الأولياء رضي الله عنه صحبته، نحو عشرين سنة، وحصل لي منه نفحات وجدت بركتها وكان صاحيًا، وهيئته هيئة المجاذيب رضي الله تعالى عنه، وكان مكشوف الرأس حافيًا، ولما كف صار يتعمم بجبة حمراء، وعليه جبة أخرى فإذا اتسخت تعمم بالآخرى، واجتمعت به في أول يوم من رمضان سنة اثنتي عشرة وتسعمائة، وكنت دون البلوغ، فقال: اسمع من هذه الكلمات، واحفظها تجد بركتها إذا كبرت فقلت له: نعم فقال يقول: الله عز وجل يا عبدي لو سقت إليك ذخائر الكونين فملت بقلبك إليها طرفة عين فأنت مشغول عنا لابنا فحفظتها فهذه بركتها. وقال لي: أمورًا أخر لم يأذن لي في إفشائها، وكان يسمى بين الأولياء صاحب مصر، وقالوا: إنه ما رؤى قط في معدية إنما كانوا يرونه في مصر، والجيزة، وحج رضي الله عنه ماشيًا حافيًا، وأخبرني الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري رحمه الله أنه لما وصل إلى المدينة المشرفة وضع خده على عتبة باب السلام، ونام مدة الإقامة حتى رجع الحج، ولم يدخل الحرم، وعمر عدة جوامع في مصر، وقراها، وكان رضي الله عنه له القبول التام عند الخاص، والعام وكان السلطان قايبتاي يمبرغ وجهه على أقدامه.

ومن مناقبه أنهم زوروا عليه برجل كان يشبهه، فأجلسوه في تربة مهجورة في القرافة ليلا، وراحوا إلى السلطان، وقالوا له: إن سيدي عبد القادر الدشطوشي يطلبك في بالقرافة ليلا فنزل إليه، وصار يقبل أقدامه فقال: الرجل المزور عليه الفقراء محتاجون لعشرة آلاف دينار فقال: السلطان بسم الله فمضى ثم أرسلها له فبلغ السلطان أنهم زوروا عليه، فأرسل خلف المزور فضربه إلى أن مات، وكان من شأنه التطور، وحلف اثنان أن الشيخ نام عند كل منهما إلى الصباح في ليلة واحدة في مكانين، فأفتى شيخ الإسلام الشيخ جلال الدين السيوطي بعدم وقوع الطلاق، وأخبرني الأمير يوسف بن أبي أصبغ قال: لما أراد السلطان قايتباي أن يسافر إلى بحر الفرات استأذن الشيخ عبد القادر الدشطوطي في السفر، فأذن له قال: الأمير يوسف فكنا طول الطريق ننظره يمشي أمامنا، فإذا أراد السلطان ينزل إليه يختفي، فلما دخلنا حلب وجدنا الشيخ رضي الله عنه ضعيفًا بالبطن في زاوية بحلب مدة خمس شهور، فتحيرنا في أمره رضي الله عنه، ودخلت، وأنا شاب أعزب.

فقال لي: تزوج، واتكل على الله خذ بنت الشيخ محمد بن عنان فإنها صبية هائلة، فقلت ما معي شيء من الدنيا فقال: بلى قل: معي أشر في قل: اثنان قل: ثلاثة معي قل: أربعة قل: خمسة، وكان لي عند شخص بنواحي المنزلة ذلك القدر فحسبه الشيخ، وكنت أنا ناسيه ثم أذن الظهر فتغطى الشيخ بالملاية، وغاب ساعة ثم تحرك ثم قال: الناس معذورون يقولون عبد القادر ما يصلي والله ما أظن أني تركت الصلاة منذ جذبت، ولكن لنا أماكن نصلي فيها فقلت: للشيخ محمد بن عنان رضي الله عنه فقال: صدق له أماكن إنه يصلي في الجامع الأبيض برملة لد، وسمعته مرة يقول كل من قال: السعادة بيد أحد غير الله كذب، وإني كنت جهدان في الدنيا يضرب بي المثل فحصل لي جاذب إلهي، وصرت أغيب اليومين، والثلاثة ثم أفيق أجد الناس حولي، وهم متعجبون من أمري ثم صرت أغيب العشرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت