فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 334

والباطن"فهو حق قذف به على الباطل، فإذا هو زاهق حتى قال: أبو جهل والله إني لأعلم أن محمدًا صادق، فلم يعدوه مقابلا فافهم، وفي هذا القدر كفاية من كلامه رضي الله تعالى عنه."

رضي الله تعالى عنه

وهو أول من أحيا طريقة الشيخ الجنيد رضي الله عنه بمصر بعد اندراسها، وكان ذا طريقة عجيبة في الانقطاع، والتسليك، وله التلامذة الكثيرة، وعدة زوايا. توفي في زاويته بالقراف الصغرى في يوم الأحد نصف جمادى الأولى سنة ثمان، وستين، وسبعمائة وصلى عليه خلق لا يحصون، وأخذ العهد، ولبس الخرقة عن الشيخ نجم الدين محمود الأصفهاني، وعن الشيخ بحر الدين حسن الشمشيري، وتلقن الذكر، وهو لا إله إلا الله عليهما رضي الله تعالى عنهما، وهي سلسلة الشيخ الجنيد رضي الله عنه، ولما ورد عليه، وارد الحق بالسفر من أرض العجم إلى مصر، فلم يلتفت إليه فورد ثانيًا فلم يلتفت إليه فورد ثالثًا، فقال: اللهم إن كان هذا وارد صدق فاقلب لي عين هذا النهر لبنًا حتى أشرب منه بقصعتي هذه، فانقلب النهر لبنًا وشرب منه ثم ذهب إلى مصر.

وكان سيدي حسن التستري رضي الله عنه أقدم منه هجرة عند الشيخ، وكان يقاربه في الرتبة، وقيل إنه كان أرقي منه درجة فلحقه بأرض مصر فقال له سيدي يوسف يا أخي الطريق لا تكون إلا لواحد، فإما أن تبرز أنت للخلق، وأكون أنا خادمك، وإما أن أبرز أنا وتكون أنت خادمي قيامًا لناموس الطريق، فقال له سيدي حسن رضي الله عنه: بل أبرز أنت وأكون أنا خادمك فبرز سيدي يوسف رضي الله عنه، وأبرز بمصر الكرامات، والخوارق، وكانت طريقته التجريد، وأن يخرج كل يوم فقيرًا من الزاوية يسأل الناس إلى آخر النهار، فمهما أتى به هو يكون قوت الفقراء ذلك النهار كائنًا ما كان، وكان يوم الفقراء يأتي أحدهم بالحمار محملا خبزًا، وبصلا وخيارًا، وفجلا، ولحمًا ويوم سيدي يوسف يأتي ببعض كسيرات يابسة يأكلها فقيرًا واحدًا فسألوه عن ذلك فقال أنتم بشريتكم باقية، وبينكم، وبين الناس ارتباط، فيعطونكم، وأنا بشريتي فنيت حتى لا تكاد ترى فليس بيني، وبين التجار والسوقة، وأبناء الدنيا كبير مجانسة، وكان صورة سؤاله أن يقف على الحانوت أو الباب، ويقول الله، ويمدها حتى يغيب، ويكاد يسقط إلى الأرض، فيقول من لا يعرفه هذا الأعجمي راح في الزقزية، وكان رضي الله عنه يغلق باب الزاوية طول النهار لا يفتح لأحد إلا للصلاة، وكان إذا دق داق الباب يقول: للنقيب اذهب فانظر من شقوق الباب، فإن كان معه شيء من الفتوح للفقراء، فافتح له، وإلا فهي زيارات، فشارات، فقال له: إنسان في ذلك فقال: أعز ما عند الفقير وقته، وأعز ما عند أبناء الدنيا ما لهم، فإن بذلوا لنا ما لهم بذلنا لهم وقتنا.

وكان رضي الله عنه إذا خرج من الخلوة يخرج وعيناه كأنهما قطعة جمر تتوقد فكل من وقع نظره عليه انقلبت عينه ذهبًا خالصًا، ولقد وقع بصره يومًا على كلب فانقادت إليه جميع الكلاب إن وقف وقفوا، وإن مشى مشوا، فأعلموا الشيخ بذلك، فأرسل خلف الكلب، وقال: أخسأ فرجعت عليه الكلاب تعضه حتى هرب منها، ووقع له مرة أخرى أنه خرج من خلوة الأربعين، فوقع بصره على كلب، فانقادت إليه جميع الكلاب، وصار الناس يهرعون إليه في قضاء حوائجهم فلما مرض ذلك الكلب اجتمع حوله الكلاب يبكون، ويظهرون الحزن عليه، فلما مات أظهروا البكاء، والعويل، وألهم الله تعالى بعض الناس، فدفنوه فكانت الكلاب تزور قبره حتى ماتوا فهذه نظرة إلى كلب فعلت ما فعلت فكيف لو وقعت على إنسان، وهرب بعض مماليك السلطان عنده خوفًا من السلطان، فأرسل يقول: للسلطان اصفح عن هؤلاء، فقال: إن كنت فقيرًا فلا تدخل في أمر السلطنة، فطلب السلطان منه مماليكه ليردهم، فلم يفعل، فقال: أنت تتلف مماليك السلطان فقال: إنما أنا أصلحهم، فنزل إليه السلطان، فأخرج إليه الشيخ مملوكًا منهم، وقال له: قل: لهذه الأسطوانة كوني ذهبًا، فقال: لها ذلك، فصارت ذهبًا يراه السلطان بعينه، فاستغفر، وقبل رجل الشيخ، وقال له: الشيخ هذا صلاح أو فساد فعرض على الشيخ أرزاقًا يوقفها على الفقراء، فأبي، وقال: لا أعود أصحابي على معلوم، وأنشد فيه الشيخ يحيى الصنافيري حين وقع بينه، وبينه ما وقع في معارضة الشيخ يوسف في دخول مصر:

ألم تعلم بأني صيرفي ... أحك الأولياء على محكى

فمنهم بهرج لا خير فيه ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت