فهرس الكتاب

الصفحة 334 من 334

وتارة يضحك، وتارة يكلم نفسه إلى الصباح، وكان إذا ذهب إلى السوق يسخره أهل الحارة في قضاء حوائجهم فيقضيها لهم على أتم الوجوه، وكان له في خرجه وعاء واحد يشتري قيه جميع ما يطلبه الناس من المائعات فكان يضع فيه الشيرج، والعسل، والزيت الحار، وغير ذلك ثم يرجع فيعصر من الإناء لكل أحد حاجته من غير اختلاط، وكان له حمارة يجعل لها ولأولادها براقع على وجوهها، ويقول إنما أفعل ذلك خوفًا من العين، وكان إذا لم يجد مركبًا يعدي فيه يركبها ويسوقها على وجه الماء إلى ذلك البر، وكان يتكلم بالكلام الذي يستحي منه عرفًا، وخطب مرة عروسًا فرآها فأعجبته فتعرى لها بحضرة أبيها.

وقال انظري أنت الآخرى حتى لا تقولي بعد ذلك بدنه خشن أو فيه برص أو غير ذلك ثم مسك ذكره، وقال انظري هل يكفيك هذا، وإلا فربما تقولي هذا ذكره كبير لا أحتمله أو يكون صغيرًا لا يكفيك فتقلقي مني وتطلبي زوجًا أكبر آلة مني، وكان له بنت يحملها على ظهره أي موضع ذهب حتى كبرت، وهو يحملها على كتفه، وهو يقول: خوفًا من أولاد الزنا، وكان ربما ذهب ليغسل لها ثوبها في البركة فيحفر لها في الأرض، ويردم التراب عليها حتى ينشف ثوبها، وركب آخر عمره الخيول المسومة، ولبس لباس الأمراء، ووضع الريش في عمامته كالجاويش فكان كل من رآه يعتقد أنه جاويش، وكان الباشا داود لا يرد له كلمة، وكذلك الدفتردار وابن بغداد، وغيرهم من قضاة الشرع، وربما ادعى على بعض المنكرين عليه دعاوي باطلة في ظاهر الشرع، وحكم له القضاة بها لا يستطيعون مخالفته قهرًا عليهم، وأخرب دورًا كثيرة من المنكرين عليه رضي الله عنه لكونه كان كثير العطب. مات سنة نيفة، وتسعمائة.

رضي الله عنه

كان عابدًا زاهدًا كثير الغوص في علم التوحيد لكن لسانه مغلق لا يكاد يفهم عنه، وكان أول ما يبلي من ثوبه موضع ركبتيه من كثرة السجود، والجلوس، وكان ورده في اليوم، والليلة نحو أربعين ألف صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واثني عشر ألف تسبيحة، وأحزابًا، وأسماء، وربما دخل في ورده من اصفرار الشمس فما يقوم منه إلى ضحوة النهار، وكان كثير الشطح تبعًا لشيخه سيدي الشيخ محمد الكعكي المدفون بالقلعة بزاويته بالقرب من سيدي سارية صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدر على صحبته كل أحد، وكان الغالب عليه محبة الخمول، وعدم الشهرة، وكان لا يسكن إلا في الربوع بين السوقة، والمحترفين وينهي عن سكني الزوايا، والربط، ويقول: ما بقي أهل القرن العاشر يقدرون على القيام بحق الظهور. صحبته رضي الله عنه أكثر من عشرين سنة، وكان يخبرني بما يقع في بيتي وبما يخطر لي، وكان غالب الناس لا يعتقده لكثرة تشعيثه قولا لا فعلا تسترًا لحاله رضي الله عنه.

مات رضي الله عنه خامس عشر رجب سنة اثنتين، وخمسين، وتسعمائة، ودفن ببولاق في مقام العارف بالله تعالى سيدي حسين أبي علي رضي الله عنه.

رضي الله تعالى عنه

نزيل مكة اجتمعت به فيها سنة سبع، وأربعين، وتسعمائة، وترددت إليه، وتردد إلي، وكان عالمًا ورعًا، وزاهدًا نحيف البدن لا تكاد تجد عليه أوقية لحم من كثرة الجوع، وكان كثير الصمت كثير العزلة لا يخرج من بيته إلا لصلاة الجمعة في الحرم فيصلي في أطراف الصفوف ثم يرجع بسرعة، وأدخلني داره فرأيت عنده جماعة من الفقراء الصادقين في جوانب حوش داره كل فقير له خص يتوجه فيه إلى الله تعالى منهم التالي، ومنهم الذاكر، ومنهم المراقب، ومنهم المطالع في العلم ما أعجبني في مكة مثله، وله عدة مؤلفات منها ترتيب الجامع الصغير للحافظ السيوطي، ومنها مختصر النهاية في اللغة، وأطلعني على مصحف بخطه كل سطر ربع حزب في ورقة واحد، وأعطاني نصفي فضة، وقال لك المعذرة في هذا البلد فوسع الله علي الحج ببركته حتى أنفقت مالا عظيمًا من حيث لا أحتسب، رضي الله عنه.

رضي الله عنه

كان من أهل التصريف بمصر المحروسة وأقعد آخر عمره في زاويته بسويقة اللبن إلى أن مات، وكان يخبر بوقائع الزمان المستقبل، وأخبرني سيدي على الخواص رضي الله عنه أن الله تعالى يطلع الشيخ شعبان على ما يقع في كل سنة من رؤية هلالها فكان إذا رأى الهلال عرف جميع ما فيه مكتوبًا على العباد، وكان إذا اطلع على موت البهائم يلبس صبيحة تلك الليلة جلد البهائم البقر أو الغنم أو تسخير الجمال الجهة السلطنة يلبس الشليف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت