يقول: الزهد لا يكون إلا في الحلال والحلال قد فقد فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة وخذ منهاه يقيمك فإن كانت حلالا كنت قد زهدت فيها وإن كانت حرامًا كنت أخذت منها ما يقيمك لأنه هو الذي يحل لك منها وإن كانت شبهات كان عتابها يسيرًا. قلت: وقوله فقد أي بالنظر لحاله ومقامه فإنهم كانوا يعمون التفتيش لعاشر يد قبله واجبًا ومن لم يفتش لعاشر يد لا يأكلون له طعامًا والله تعالى أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: طريق الله بضاعة لا يرتفع فيها إلا صادق وكان يصوم الدهر ويختم القرآن كل ليلة، وكان إذا آذاه شخص يرفع التراب علي رأس نفسه، ويقول: لولا ذنبي ما سلطت هذا علي ثم يكثر من الاستغفار حتى يسكن ذلك المؤذي عنه.
ولد رضي الله عنه سنة تسع وعشرين ومائة وتوفي سنة سبع وتسعين ومائة ودفن بطريق العراق حين رجع من الحج وله ست وستون سنة رضي الله تعالى عنه.
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله تعالى عنه يختم القرآن كل ليلة ويتهجد بنصف القرآن، وكان إخوانه إذا جلسوا عنده كأنما على رؤوسهم الطير، وضحك واحد منهم في حلقته يومًا فقال: يطلب أحلى كم العلم وهو يضحك، لا يجلس هذا معي شهرين، فمنعه حضور شهرين، ثم استغفر فقال له: إنما ينبغي طلب العلم والعبد يبكي لأنه يريد به إقامة الحجة على نفسه وقل أن يريد به العمل وقام ليلة إلى الصباح ثم رمى بنفسه على الفراش فنام من لينه عن صلاة الصبح فمنع الفراش شهرين وكان يقول لا أغبط اليوم إلا مؤمنًا في قبره.
ولد سنة خمس وثلاثين ومائة وتوفي سنة ثمان وتسعين ومائة رضي الله تعالى عنه.
رضي الله تعالى عنه
كان يقول عليكم باتباع السواد الأعظم قالوا له من السواد الأعظم، قال: هو الرجل العالم أو الرجلان المتمسكان بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريقته، وليس المراد به مطلق المسلمين، فمن كان مع هذين الرجلين أو الرجل وتبعه فهو الجماعة، ومن خالفه فقد خالف أهل الجماعة، وكان يخفي عمله التطوع ويقول لو أمكنني أن أخفيه عن الملكين لفعلت، وكان إذا دخل داره يبكي حتى يرحمه جيرانه فإذا خرج غسل وجهه واكتحل، وكان يخرج بصدقته بالليل وهو متلثم لا يعرفه أحد، وكان يأكل الشعير الأسود ويقول: أنه يصير إلى الكنيف يعني البطن، وكان يقول: لو أن أحدكم اشترى طعامًا وبالغ في طيب طعمه ورائحته، ثم ألقاه في الحش لقلتم هذا مجنون وأحدكم ليلا ونهارًا يطرح ذلك في الحش يعني بطنه فلا يضحك على نفسه. توفي رضي الله تعالى عنه سنة ست وعشرين ومائتين رضي الله تعالى عنه.
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله تعالى عنه من العلماء العاملين تستنزل الرحمة عند ذكره كان صائم الدهر وجاع حتى انتهى أكله كل يوم إلى تمرة أو لوزة ورعًا وحياء من الله تعالى في تردده إلى الخلاء. ولد رضي الله عنه ببخاري سنة أربع وتسعين ومائة. وتوفي رضي الله عنه ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومائتين ودفن بخرتنك قرية على فرسخين من سمرقند، وكان رضي الله عنه يقول: المادح والذام من الناس عندي سواء، وكان يقول: أرجو أن ألقى الله تعالى ولا يطالبني أني اغتبت أحدًا وما اشترى شيئًا ولا باعه قط وكان ورعًا زاهد كان ينام في الظلام وربما قام في الليل نحو العشرين مرة يقدم الزناد ويسرج ويكتب أحاديث، ثم يضع رأسه، وكان يصلي كل ليلة آخر الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر بواحدة منها، وكان يصلي بأصحابه في ليالي رمضان كل ليلة بثلث القرآن ويختم كل ثلاث، ويقول: عند كل ختم دعوة مجابة وما وضع حديثًا في الصحيح إلا وصلى عقبه ركعتين شكرًا لله عز وجل، وكان رضي الله عنه يأكل من مال أبيه لكونه حلالا، وكان أبوه يقول ما أعلم من مالي درهمًا حرامًا ولا شبهة ومناقبه كثيرة مشهورة رضي الله تعالى عنه.
رضي الله تعالى عنه
قال أحمد بن سنان ما رأيت عالمًا قط أحسن صلاة منه كان يقوم كأنه أسطوانة، وكان رضي الله عنه يقول: من طلب الرياسة في غير أوانها حرمها وقت أوانها، وكان إذا صلى العشاء لا يزال قائمًا يصلي حتى الغداة نيفًا وأربعين سنة، وكانت عيناه جميلتين، فلم يزل يبكي حتى ذهبت إحداهما وعمشت الأخرى، وقال له مرة إنسان أين تلك العينان الجميلتان، فقال ذهب بهما بكاء الأحزان