ويموت على ذلك، ولما حضرته الوفاة أخبر، والدته أنه يموت في تلك الرقدة فقالت له من أين لك علم هذا؟ فقال أخبرني بذلك الخضر عليه السلام فكان كما قال فكانت، والدته تخبر أنها لما حملت به رأت النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطاها كتابًا فكان الكتاب هو الشيخ.
وأخبرني، ولده سيدي سري فسح الله في أجله أن والدته رأت الشيخ بعد مماته فقالت له ما وقع لك مع منكر، ونكير فقال كلمونا بكلام مليح، وأجبناهم بجواب فصيح. توفي رضي الله عنه في ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وتسعمائة وله من العمر نيف، وخمسون سنة رضي الله عنه، ودفن بزاويته بدمياط، ودفن عنده الأخ العزيز العارف بالله تعالى سيدي أبو العباس الحريثي رضي الله عنه.
رحمه الله تعالى
كان شابًا صوامًا قوامًا قليل الكلام حسن السمت كريم النفس يحب الوحدة لا يمل منها، أحب إليه يجلس في المساجد المهجورة، والخرائب. اجتمع رحمه الله تعالى بالشيخ العارف بالله تعالى سيدي علي الدويب بالبحر الصغير بنواحي دمياط، وحصل له منه نفحات، وكساه جبته، وقال يا محمد ما فرح مني بذلك قط أحد غيرك وكانت له، والدة يبرها، ولا يكاد يرفع صوته عليها، وكان يقول لها هبيني الله عز وجل، والميعاد بيننا في الآخرة ليقطع طمعها منه، ومكث رضي الله عنه سنين عديدة يحج على التجريد ماشيًا حافيًا لا يسأل أحدًا شيئًا، ولا يقبله منه، وكان الغالب عليه السذاجة في أمور الدنيا، والحذق في أمور الآخرة، وكان كثير التوجه إلى الله تعالى قليل الكلام حسن المعاشرة لين الجانب لعامة المسلمين واسع الأخلاق لا يكاد أحد يغضبه، ولو فعل معه ما فعل، أخذ عنه جماعة من أهل الطريق، وانتفعت بمواعظ، وآدابه رضي الله عنه، وصحبته نحو خمس عشر سنة ما رأيت عليه شيئًا يشينه في دينه رضي الله عنه.
مات سنة ثلاث، وثلاثين، وتسعمائة، ودفن بسندفا بالمحلة الكبرى رحمه الله تعالى.
رضي الله تعالى عنه
المقيم بمصر العتيق تجاه مقياس نيل مصر المحروسة. صحبته رضي الله عنه نحو عشرين سنة، وكان كثير المجاهدات والرياضات أخبرني أن له سبع عشرة سنة لم يقرب من عياله اشتغالا بالله تعالى، وكان يقول: قد فعلنا السنة، وولدنا أولادًا كثيرة، وحصل المقصود، وكان رضي الله عنه حسن السمت على الهمة كثير العزلة يحب الخمول، ويأخذ في أسباب الخفاء، ويقول ما بقي للظهور الآن فائدة فإن الفقير لا ينبغي له الظهور إلا لمصلحة الناس من أخذهم الطريق عنه، وقبول شفاعاته فيهم عند الملوك والأمراء، وما بقي عند الأمراء اعتقاد في أحد، ولا عند أحد من الفقراء همة يطلب بها السلوك في طريق الله عز وجل وكان له كل يوم من الجوالي، وغيرها نحو كذا كذا دينارًا فينفقها كل يوم، ويتظاهر بجمع الدنيا ويقول نظهر الشمم على أركان الدولة صيانة للخرقة عن الانتهاك جهدنا رضي الله عنه، وكان محققًا في علوم النظر غواصًا في بحار التوحيد هينًا لينًا بشوشًا غالب أيامه صائمًا، وربما طوى لأربعين يومًا لا يأكل كل يوم غير تمرة أو زبيبة رضي الله عنه. مات سنة نيف وتسعين رضي الله عنه.
رضي الله عنه
أحد أصحاب سيدي الشيخ العارف بالله تعالى سيدي عمر روشني بناحية توريز العجم رضي الله عنه، كان من جند السلطان الأعظم قايتباي رحمه الله، وكان مقربًا عنده فسأله أن يتركه، ويخليه لعبادة ربه ففعل، وأعتقه فساح إلى بلاد العجم، وأخذ عن شيخه المذكور ثم رجع إلى مصر فسكن الجبل المقطم، وبنى له فيه معبدًا، وحفر له فيه قبرًا، ولم يزل مقيمًا فيه لا ينزل إلى مصر نحو ثلاثين سنة، وكان له الشهرة العظيمة بالصلاح في دولة السلطان ابن عثمان، وتردد الأمراء، والوزراء إلى زيارته، ولم يكن ذلك في مصر لأحد في زمنه وكان كثير المكاشفة قليل الكلام جدًا تجلس عنده اليوم كاملا لا تكاد تسمع منه كلمة، وكان كثير السهر متقشفًا في اللبس معتزلا عن الناس إلى أن توفاه الله تعالى سنة نيف، وتسعمائة رضي الله عنه.
رحمه الله تعالى
أحد رجال الله تعالى: كان من أصحاب التصريف بقرى مصر رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه كثير التلاوة للقرآن كثير الشطح لا يصبر على معاشرته إلا أكابر الفقراء.
وكان كثير التشعيث لمن عرف منه أنه يعتقده، وكان كثير الكشف لا يحجبه الجدران، والمسافات البعيدة من اطلاعه على ما يفعله الإنسان في قعر بيته وكان ليله كله تارة يقرأ،