البساط، فإنه قد وصل على الباب فخرجوا فوجدوا البساط على الباب كما قال الشيخ رحمه الله، وأرسل مع القاصد الذي جاء بالبساط بعضًا من الهدية وقال له: غمض عينك فغمض عينه فوجد نفسه في بلده طينات وسطى، وجعلوه حارس الجرن، وهو صغير في بني صميت فأخذ فريكًا أخضر، وطلع فوق جرن يحرقه فتسامع الناس إن هذا المجنون أحرق الجرن فطلعوا له، وضربوه فقال: أنا قلت: للنار لا تحرقي إلا فريكي بس، وانظروا أنتم فوجدوها لم تحرق إلا الفريك. وقال: لرجل زوجني ابنتك فقال: مهرها غال عليك فقال: كم تريد فقال: أربعمائة دينار فقال اذهب إلى الساقية، وقل لها قال: لك الفرغل املأ قادوس ذهب، وقادوس فضة فملأت له قادوسين فلم يزل هو وذريته مستورين ببركة الشيخ حتى ماتوا، وجاءه ابن الزرازيري فقبل رجله فقال له: وليتك من الخلصة للملصة فولاه السلطان كشف أربع أقاليم الصعيد، وأرسل قاصده إلى أمير في مصر يشفع عنده في فلاح فقال: قل لشيخك أنت دوكاري فرجع القاصد إلى الشيخ فأخبره فنقر بإصبعه في الأرض كهيئة الذي يحفر، فجاء الخبر أن السلطان غضب على ذلك الأمير، وأمر بهدم داره فهي خراب إلى الآن ناحية جامع طولون ثم ضرب عنقه بعد ذلك فقالوا له: ما سببه؟ قال لا أعرف له سببًا إلا أن الله تعالى حركني لذلك، وجلس عنده فقيه يقرأ القرآن فنط الفقيه فقال له: نطيت فقال له: من أعلمك يا سيدي، وأنت لا تحفظ القرآن؟ فقال: كنت أرى نورًا متصلا صاعدًا إلى السماء فانقطع النور، ولم يتصل بما بعده فعلمت أنك نطيت، وكان رضي الله عنه يقول: أنا من المتصرفين في قبورهم فمن كانت له حاجة فليأت إلى قبالة وجهي، ويذكرها لي أقضيها له، ووقائعه رضي الله عنه لا تحصيها الدفاتر. توفي سنة نيف وخمسين وثمانمائة رضي الله تعالى عنه آمين.
رضي الله تعالى عنه
شيخ سيدي عثمان الخطاب رضي الله عنهما، كان رضي الله عنه من أصحاب التصريف النافذ، وكانت الأعيان تقلب له. حكى لي شيخ الإسلام الشيخ نور الدين الطرابلسي الحنفي رحمه الله تعالى قال: أخبرني سيدي عثمان الخطاب رحمه الله تعالى أنه حج مع سيدي أبي بكر رضي الله عنه سنة من السنين فكان الشيخ يقترض طول الطريق الألف دينار فما دونها على يدي فإذا طالبني الناس أجيء إليه فأخبره بذلك فيقول له: عد لك من هذا الحصا بقدر الدين فكنت أعد الألف حصاة، والخمسمائة، والمائة والأربعين والثلاثين، وأذهب بها إلى الرجل فيجدها دنانير قال: فلما دخلنا مكة كان الشيخ رضي الله عنه يضع كل يوم سماطًا صباحًا، ومساء في ساحة لا يمنع أحدًا يدخل، ويأكل مدة مجاورته بمكة قال: وهذا أمر ما بلغنا فعله لأحد قبل سيدي أبي بكر.
وكان له صاحب يصنع الحشيش بباب اللوق فكان الشيخ رضي الله عنه يرسل إليه أصحاب الحوائج فيقضيها لهم قال: سيدي عثمان رضي الله عنه فسألته يومًا عن ذلك، وقلت المعصية تخالف طريق الولاية فقال: يا ولدي ليس هذا من أهل المعاصي إنما هو جالس يتوب الناس في صورة بيع الحشيش فكل من اشترى منه لا يعود يبلعها أبدًا هكذا أخبرني سيدي نور الدين الطرابلسي عن سيدي عثمان رحمه الله تعالى.
رضي الله تعالى عنه
أجل من أخذ عن سيدي أبي بكر الدوقدسي رضي الله عنه من الزهاد المتقشفين، كان له فروة يبسها شتاء وصيفًا، وهو محزم بمنقطة من جلد، وكان شجاعًا يلعب اللبخة فيخرج له عشرة من الشطار، ويهجمون عليه بالضرب فيمسك عصاه من وسطها، ويرد ضرب الجميع فلا يصيبه واحدة هكذا أخبر عن نفسه في صباه، وكان رضي الله عنه رحيمًا بالأولاد الأيتام، ويقول: أنا قاسيت مرارة اليتم لموت أبي، وأنا صغير، وكان مطرقًا على الدوام لا يرفع قط رأسه إلى السماء إلا لحاجة أو مخاطبة أحد، وكان لم يزل في عمل مصالح فقراء الزاوية، وغيرهم إما في غربلة القمح، وإما في تنقيته، وإما في طحنه، وإما في جميع آلات الطعام وإما في خياطة ثياب الفقراء، وإما في تفليتها، وإما في الوقود تحت الدست، وإما في جميع الحطب من البساتين، وبلغ الفقراء، والأرامل عنده أكثر من مائة نفس، وليس له رزقة، ولا وقف إلا على ما يفتح الله به كل يوم، وكان كل من بار عنده شيء من الخضر يقول: خلوه للشيخ عثمان، وكان إذا ضاق عليه الحال يطلع للسلطان قايتباي يطلب منه فيرسم له بالقمح، والعدس، والفول، والأرز، ونحو ذلك فقال: له السلطان يومًا يا شيخ عثمان أيش بلاك بهذه الناس كلهم أطلقهم لحال سبيلهم، وأرح نفسك فقال: له، وأنت الآخر أطلق هذه المماليك، والعسكر واقعد، وحدك فقال