فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 334

كثير الشفاعات عند السلطان، والأمراء.

وكان رضي الله عنه يمكث السبعة أيام بوضوء واحد كما أخبرني بذلك خادمه الشيخ عبد الباسط الطحاوي. قال: وانتهى أمره أنه كان في آخر عمره يتوضأ كل أحد عشر يومًا وضوءًا واحدًا قال: وعزم عليه جماعة في جامع طولون ليمتحنوه في ذلك فدعوه إلى ناحية الجيزة في الربيع، وصاروا يعملون له الخراف، والدجاج، واللبن بالرز، وغير ذلك وهو يأكل معهم من ذلك جمله ثم لا يرونه يتوضأ لا ليلا، ولا نهارًا مدة تسعة أيام فقيل للشيخ في ذلك يا سيدي إنك في امتحان مع هؤلاء فتشوش منهم، وجاء إلى البحر يعدى، فعدى في مركب، والجماعة الممتحنون في مركب فغرقت بهم فأخبروا الشيخ، فقال: لله الحمد ثم تدارك ذلك، وقال: ما وقعت مني قبل ذلك قط قال: الشيخ عبد الباسط خادمه رحمه الله تعالى فمرض الشيخ بسبب هذه الكلمة نحو سبعة وأربعين يومًا، وأخبرني أخي الشيخ الصالح شمس الدين المرصفي رضي الله عنه أنه قال لي: أربعون سنة أصلي الصبح بوضوء العشاء، وقد طويت سجادتي بعدي، ومكث رضي الله عنه خمسًا وعشرين سنة لم يضع جنبه على الأرض، وكان رضي الله عنه يقول: ليس القناعة أن يأكل الفقير كل ما وجد من يسير الخبز والأدم إنما القناعة أن لا يأكل إلا بعد ثلاثة أيام لقيمات يقمن صلبه، وأكثرها خمس ولما حضرته الوفاة قالوا له: يا سيدي من هو الخليفة بعدكم لنعرفه، ونلزم والأدب معه، فقال قد أذنا لفلان، وفلان وعد عشرة من أصحابه أن كل من حضر منهم يفتتح الذكر بالجماعة، والطريق تعرف أهلها، ولو هربوا منها تبعتهم، وكان من العشرة سيدي شهاب الدين الوفائي، وسيدي الشيخ إبراهيم، وسيدي الشيخ عبد الباسط، وهم أجل من أخذ عنه، فنسأل الله أن يفسح في أجلهم للمسلمين، وكان رضي الله عنه يقول: لا تصح الصحبة لشخص مع شيخه إلا إن شرب من مشروبه، واتحد به اتحاد الدم في العروق مات رحمه الله تعالى سنة نيف وعشرين وتسعمائة، ودفن بزاويته بجوار حمام الدود خارج باب زويلة وكانت جنازته مشهورة رضي الله عنه آمين.

رضي الله تعالى عنه

هو من أجل من أخذ عن الشيخ شهاب الدين المرحومي رضي الله عنه، وكانت له في مصر الكرامات الخارقة، والتلامذة الكثيرة، والقبول التام عند الخاص، والعام، والملوك، والوزراء، وكانوا يحضرون بين يديه خاضعين، وعملوا بأيديهم في عمارة زاويته في حمل الطوب، والطين، وكان كثير المجاهدات لم يبلغنا عن غيره ما بلغنا عنه في عصره من مجاهداته، وكان ينزل في سرب تحت الأرض من أول ليلة من رمضان فلا يخرج إلا بعد العيد بستة أيام، وذلك بوضوء واحد من غير أكل، وأما الماء، فكان يشرب منه كل ليلة قدر أوقية، وكان رضي الله عنه يقول: إني لا أبلغ إلي الآن مقام مريد ولكن الله تعالى يستر من يشاء، وكان رضي الله عنه إذا سمع كلامًا يسمعه بالسمع الباطن، وسمع قائلا يقول: يا سيدي فسدت المعاملة، ونودي على الفلوس بأنها بطالة فصاح، وسقط على وجهه، ونتف لحيته، ومكث يصيح يومًا كاملا، وجاءه مريد من بلبيس يريد أن يجتمع به فلم يأذن له فقال: جئتك من مكان بعيد فقال له: تمن علي بمجيئك من موضع بعيد اذهب لا تأتني لثلاث سنين، فلم يجتمع به إلا بعد ثلاث سنين ثم قال: الشيخ كان المريد يسافر ثلاث شهور في طلب مسألة في الطريق، ويرى تلك السفرة قليلة، وكان رضي الله عنه يعامل أصحابه بالامتحان، فلا يكاد يقرب منهم أحدًا إلا بعد امتحانه سنة كاملة، وكان يلقي حاله على الفقير فيتمزق، وأخبرني الشيخ شمس الدين الأبوصيري رضي عنه أجل أصحابه قال: لم يزل الشيخ يمتحنني إلى أن مات، وأراني ضرب المقارع على أجنابه من الدعاوي التي كان يدعيها علي عند الحكام قال: وكنت أعترف عند الحكام إيثارًا لجناب الشيخ أن يرد قوله: فإذا قال: هذا زنى بجاريتي أقول نعم أو يقول: هذا أراد الليلة أن يقتلني أقول نعم أو يقول: هذا سرق مالي أقول: نعم.

وكان رضي الله عنه يتنكر علينا أوقاتًا فلا نكاد نعرفه، وهرب منا إلى مكة، ونحن في الحبس، فلم نشعر به إلى أن وصل إلى مكة، فخرجت أنا وأبو الفضل المالكي في غير أوان الحج فوصلنا مكة في خمسة عشر يومًا، فلما وصلنا إلى مكة استخفى منا وأشاع أنه سافر إلى اليمن، فسافر إليه خمسة شهور من مكة، فخرج إلينا شخص خارج زبيد، وقال: إن شيخكم في مكة في هذا اليوم فرجعنا فلما بقي بيننا، وبين مكة يوم، وليلة خرج إلينا، وقال: إن شيخكم باليمن فرجعنا إليه، وقال لنا: إن الذي قال: لكم إن شيخكم بمكة شيطان، فرجعنا إلى اليمن، فخرج إلينا، وقال: إن شيخكم بمكة، فلم نزل كذلك ثلاث سنين حتى ظهرلنا أنه بمكة، فأقمنا معه، فادعى علينا دعاوي،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت