فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 334

القفة من الخوص، وهو على المنبر، ثم يرسل يبيعها ويكل منها، وكان يقول أزهد الناس في العالم أهله.

ولما اعتزل في قصره بالعقيق، وترك مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: في ذلك فقال: رأيت مساجدهم لاهية وأسواقهم لاغية والفاحشة في فجاجهم عالية، فكان فيما هنالك عماهم فيه عافية، وكان رضي الله عنه يقول لأولاده: تعلموا العلم فإنكم إن تكونوا صغار قوم فعسى أن تكونوا كبار قوم آخرين، ما أقبح الجهل ولا سيما من شيخ، وخرج إلى الوليد بن عبد الملك فوقعت في رجله الأكلة فقطعوها، فكانوا يرون ذلك عقوبة لمشيه بها إلى الوليد، ثم قال الحمد لله الذي أبقيت لي أختها، وكان رضي الله عنه يسرد الصوم، فقطعوا رجله وهو صائم لم يمسكه أحد حين قطعت.

مات رضي الله عنه وهو صائم سنة أربع وتسعين، رضي الله عنه.

رضي الله تعالى عنه

كان رضي الله عنه يقول: من كرمت عليه نفسه لم يكن للدنيا عنده قدر، وكان رضي الله عنه يقول: ليس بحكيم من لا يعاشر بالمعروف من لم يجد من معاشرته بدا حتى يجعل الله له مخرجًا.

ولما كتب ملك الروم إلى عبد الملك بن مروان يتهدده، ويتوعده، ويحلف ليحملن إليه مائة ألف في البر ومائة ألف في البحر، أو يؤدي إليه الجزية كتب عبد الملك إلى الحجاج أن اكتب إلى محمد بن الحنفية تتهدده، وتتوعده، ثم أعلمني بما يرد عليك فكتب إليه فأرسل ابن الحنفية كتابه إلى الحجاج يقول: إن لله عز وجل ثلاثمائة وتسعين نظرة إلى خلقه، وأنا أرجو أن ينظر الله إلي نظرة يمنعني بها منك، فبعث الحجاج بذلك الكتاب إلى عبد الملك، فكتب مثل ذلك إلى ملك الروم فقال ملك الروم: ما خرج هذا منك، ولا كتبت أنت به ولا خرج إلا من بيت نبوة رضي الله عنه.

وهو علي الأصغر وأما الأكبر فقتل مع الحسين رضي الله عنهم أجمعين، وسيأتي في ترجمة محمد الباقر أن زين العابدين أو الحسينيين كلهم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا نصح العبد لله تعالى في سره، أطلعه الله تعالى على مساوئ عمله، فتشاغل بذنوبه عن معائب الناس.

وكان يقول: كانت المصاحف لا تباع إنما يأتي الرجل بورقه عند المنبر، فيقوم الرجل المحتسب، فيكتب له من أول البقرة ثم يجيء غيره حتى يتم المصحف.

قالوا: ولما قتل أخوه كان عمره ثلاث عشرة سنة إلا أنه كان مريضًا نائمًا على فراش فلم يقتل، وكان إذا توضأ اصفر وجهه فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟ وكان إذا مشى لا تجاوز يده فخذه، ولا يخطر بيده، وكان إذا بلغه عن أحد أنه ينقصه، ويقع فيه يذهب إليه في منزله، ويتلطف به ويقول: يا هذا إن كان ما قلته في حقًا فيغفر الله لي وإن كان باطلًا، فغفر الله لك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، وكان الرجل يقف على رأسه في المسجد، فما يترك شيئًا إلا ويقوله فيه، وهو ساكت لا يرد عليه رضي الله عنه، فلما ينصرف يقوم الرجل وراءه ويلزمه من خلفه، ويبكي فيقول: لا عدت تسمع مني شيئًا تكرهه قط، وكان ينشد:

وما شيء أحب إلى اللئيم ... إذا شتم الكريم من الجواب

وكان رضي الله عنه يقول: فقد الأحبة غربة، وكان يقول: عبادة الأحرار لا تكون إلا شكر الله لا خوفًا ولا رغبة، وكان يقول: كيف يكون صاحبكم من إذا فتحتم كيسه فأخذ، ثم منه حاجتكم لم ينشرح لذلك، وكان رضي الله عنه يقول لأصحابه: أحبونا حب الإسلام لله عز وجل، فإنه ما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارًا، إشارة إلى ما وقع له مع عبد الملك بن مروان حين حمله من المدينة إلى الشام مثقلًا بالحديد في يديه ورجليه وعنقه، فلما دخل الزهري على عبد الملك قال له: ليس علي بن الحسين حيث يظن من جهة فالخلافة إنما هو مشغول بنفسه، وبعبادة ربه عز وجل فقال: نعم ما شغل به نفسه وأطلقه.

وكان رضي الله عنه يحب ألا يعينه على طهوره أحد، وكان يستقي الماء لطهوره ويحضره قبل أن ينام، وكان لا يترك قيام الليل لا سفرًا ولا حضرًا، وكان يقول: إن الله يحب المؤمن المذنب التواب.

وكان رضي الله عنه يثني على أبي بكر وعمر وعثمان، ويترجم عليهم، وكان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة، وكانت الريح تهيج فيخر مغشيًا عليه، ولما حج قال: لبيك فوقع مغشيًا عليه فتهشم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت