لك شيء فركبت بنفسها، وجاءت فأخرجته منها فانتقل إلى مدرسة ابن البقري بباب النصر وبها توفي رضي الله عنه، وأخبرني الشيخ شمس الدين الصعيدي المؤذن بمدرسة أم خوند قال: جاء مغربي إلى سيدي الشيخ محمد ابن أخت سيدي مدين، فقال: يا سيدي أنت رجل ذو عيال، وفقراء كثيرة، وليس لك رزقة، ولا معلوم، ومقصودي أعلمك صنعة الكيمياء تنفق منها على الفقراء، فقال له: جزاك الله عنا خيرًا فقال يا سيدي فلوس آخذ بها الحوائج، فأعطاه فجاء بالحوائج فقال الشيخ كمل جميلك، وادخل هذه الخلوة، واعملها ثم أعرضها علينا فجاء بعدته، ودخل الخلوة، فقال: الشيخ رضي الله عنه للفقراء، وهذا الرجل ما يعرف من أحوال الفقراء شيئًا إنما كيمياء الفقراء أن يعطيهم الله تعالى قلب الأعيان بلفظ كن ثم قال لهم: هذا الوقت يخرج محروق الوجه، واللحية فبعد لحظة دق الباب، وقال افتحوا لي احترقت ففتحوا له فوجدوه محترق الوجه واللحية، وقال: انطلق في الكبريت فقال: الشيخ رضي الله عنه لا حاجة لنا بكيمياء فيها حرق الوجوه، واللحى اذهب لحال سبيلك قال: الشيخ شمس الدين الصعيدي رحمه الله تعالى، وإنما لم يرده الشيخ أولا من غير تجربة صيانة للخرقة ليعلمه أن الفقر في غنية عن ذلك وأن كنزهم القناعة في هذه الدار لا غير. والله أعلم.
رضي الله تعالى عنه ورحمه
كان من رجال الله المعدودة، وكان رضي الله عنه يبيع السمك القديد مع البطيخ مع التمر حنا، والمرسين والياسمين، والورد وكان إذا أتاه فقير يستعين به في شيء من الدنيا يقول: له هات لي ما تقدر عليه من الرصاص فإذا جاء به يقول له: ذوبه بالنار فإذا أذابه يأخذ الشيخ بإصبعه شيئًا يسيرًا من الترب ثم يقول: عليه باسم الله، ويحركه فإذا هو ذهب لوقته، وأنكر عليه مرة قاض في دمياط، وقال له: ما مذهبك فقال: حنشي ثم نفخ على القاضي فإذا هو ميت، وكان رضي الله عنه يمشي في البلد، ويقول: يا علماء البلد ما يصلح الملح إذا الملح فسد، وكراماته رضي الله عنه كثيرة، وأرسل مرة سيدي حسين أبو علي رضي الله عنه السلام له. فقال: سيدي على المحلي رضي الله عنه نعطيك هدية في نظير السلام ثم غرف له من البحر ملء القفة جواهر فقال: الفقير ليس لي، ولا لشيخي حاجة بالجواهر فردها في البحر. مات سنة نيف، وتسعمائة رضي الله عنه.
رضي الله عنه
كان رضي الله عنه من المدققين في الورع، ويقول: الأصل في الطريق إلى الله تعالى طيب المطعم، وكان إذا طحن في طاحون يقلب الحجر، ويخرج ما تحته من دقيق الناس يعجنه للكلاب ثم يطحن، ويخلى للناس بعده الدقيق من قمحه، ولم يأكل فراخ الحمام الذي في أبراج الريف إلى أن مات، وكان والدي رحمه الله تعالى يأتيه بفتاوى العلماء بحله فيقول: يا ولدي كل من الخلق يفتي بقدر ما علمه الله عز وجل ثم يقول: يا ولدي إنها تأكل الحب أيام البذار، ويطيرونها بالمقلاع، ولذلك يعملون لها أشياء تجفلها في الجرون، ولو كان الفلاحون يسمحون بما يأكله الحمام ما فعلوا شيئًا مما ذكرناه ثم بالغ فتورع عن أكل العسل النحل، وقال: إني رأيت أهل الفواكه ببلادنا يطيرون النحل عن زهر الخوخ، والمشمش وغيرهم، ولا يسمحون بأكل أزهارهم، فقال له: والدي رحمه الله تعال أما قال: الله تعالى المالك الحقيقي"كلي من كل الثمرات"فقال: الثمرات المملوكة أم المباحة؟ فسكت والدي ثم قال له: والدي إن كل تفيد العموم فنحن على العموم فقال: الخاص مقدم على العام، وقد حرم الله عليك أن ترعى بقرتك في زرع الناس بغير رضاهم ثم تشرب لبنها فكشف والدي رحمه الله رأسه، واستغفر، وقال: مثلي لا يكون معلمًا لك يا سيدي، وكان يقرئ الأطفال، ولا يدخل جوفه قط شيئًا من ناحيتهم، ولا من ناحية آبائهم حتى في أيام الغلاء كان يجوع، ويطعم ذلك لأرامل البلد، وأيتامها، وكان عنده موهبة معلقة في سقف الزاوية كل صغير فضل من خبزه شيء يضعه فيها قال: عمى الشيخ عبد الرحمن فكانت تملأ كل يوم، وكان الأطفال نحو مائة نفس، فيرسل العرفاء بقفف صغار بعد العشاء تفرقه على مساكين البلد، وأوقات هو بنفسه، وإذا كان الزمان زمان رخاء يترصد المراكب التي ترسي من قلة الريح بساحل بلده فيرسله لهم مع الجبن، والفول الحار، ومعهما مهما وجد، وكان لا يأكل قط من طعام فلاح، ولا شيخ بلد، ولا مباشر، ولا أحد من أعوان الظلمة من منذ وعى على نفسه، وقدم إليه مرة رجل قباني في بولاق طعامًا فلم يأكله فقال: يا سيدي هذا حلال هذا من عرقي فقال: لا آكل من