طعام من يمسك الميزان لعدم تحريرها في الغالب على وجه الخلاص.
وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رضي الله عنه يقول: كان جدك من إخواني في الجامع الأزهر، وكان يضرب بي وبه المثل في شدة الاجتهاد، وصيام النهار، وقيام الليل بنصف القرآن كل ليلة، وكان يفوقني في الورع فإنه لم يأكل من طعام مصر قط، ويقول: سمعت أخي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه يقول: طعام مصر سم في الأبدان وكذلك كان لا يشرب من ماء محمول على يد غيره من البحر أبدًا بل كان يأخذ له جرة، ويذهب إلى بحر النيل فيملؤها، ويشرب منها حتى تفرغ، وكنا نتعامل عليه، ونحن شباب فنشربها جميعًا في الليل ونقول: حتى ننظر أيش يعمل إذا عطش، فيجس الجرة بيده فيجد فارغة فيتبسم، ويضحك، ويسكت وكان كتابه المنهاج، والقاطبية، والمنحة، وحل الثلاث كتب، وصار يقرأ بالسبع، وغيره، وعمره نحو العشرين سنة وكنت لا أفارقه، ولا يفارقني فجاءته والدته بالكعيكات التي كان يتقوت منها على عادته فأخذت قميصه تغسله فوجدت فيه أثر احتلام، فقالت إني أخاف عليك من أهل هذا البلد فإن كنت في طاعة فسافر معي أزوجك في بلدي، وتقعد عندي فشاورني، فقلت استخر ربك فقال: لا أستخير في طاعة والدتي، وكان رحمه الله تعالى بارًا بوالدته، وكانت امرأة لها قوة تحمل الأردب وحدها وتضعه على ظهر الحمارة قال: وكان جدك رضي الله عنه يقول: علمتني أمي، وأنا صغير انتهى ما سمعته من شيخي شيخ الإسلام رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه إذ غرقت مركب فيها شيء يؤكل كالرمان، والقلقاس والقصب لا يمكن أحدًا من أهل بلده أن يمسك من ذلك شيئًا يقول: تشغلوا ذمتكم بشيء أنتم في غنية عنه، وغرق على رغم أنف صاحبه، ودعا الله أن لا يصح في دور ذريته برج حمام فبنوه مرارًا وكتبوا له الجلب، ولم يفرخ شيئًا مع أن جيرانهم عندهم الأبراج، وهو فيها بكثرة، وكان رضي الله عنه يقول: مات أبي، وأنا صغير فما رباني إلا أمي فكنت أرعى للناس بهائمهم بالكرا، وأتقوت.. وحفظت القرآن، وأنا أرعى البهائم فكنت أكتب لوحي، وآخذه أحفظه في الغيط فمر علي بعض الفقراء السائحين فقال: يا ولدي اسمع مني، وشاور والدتك، وسافر إلى مصر تعلم بها العلم، فشاورت أمي فسمحت لي بذلك وزودتني زوادة آكلها في نحو أربعة شهور ثم صارت تتفقدني إلى أن رجعت إليها، وأخبرني جماعة ممن قرؤوا عليه أنهم لم يضبطوا عليه غيبة واحدة في أحد إلى أن مات، وكذلك لم يضبطوا عليه قط مدة صحبتهم ساعة فراغ فكان إن لم يكن في عمل أخروي كان في عمل ينفع الناس قالوا، وكانت طريقته أنه يقوم رحمه الله بعد رقدة من الليل فيتوضأ، ويصلي ما شاء الله أن يصلي ثم يثني ذيله في وسطه، ويتحزم عليه، وفي وسطه سراويل ثم يأخذ جرارًا كبارًا ويبتدئ بالقراءة فلا يزال يملأ إلى قريب الفجر، وربما قرأ نصف القرآن إلى الفراغ، فكان يملأ سبيل زاويته التي أنشأها بحري بلده.
ثم يملأ سبيل الجامع ثم يملأ سبيلا على طريق منف خارج جرن البلد، ولما زوي أولاده الثلاثة والدي، ومحمد، وعبد الرحمن أعمامي كان يملأ لهم سقايتهم حتى مسقاة الكلاب ولا يمكن أحدًا منهم يملأ، ولا أحدًا من عيالهم ثم يرجع إلى ميضأة زاور فيملؤها، ويملأ حيضان أخليتها، وينظفها ثم يصعد إلى سطح الزاوية، فيسبح الله وينزهه ثم يؤذن فينزل فيصلي الفجر، ويقرأ السبع هو، وعرفاء الأطفال ثم يصلي بالناس الصبح ثم يجلس يتلو القرآن إلى طلوع الشمس، فتجتمع الأولاد في المكتب فلا يزال يعلم هذا الخط وهذا رسم الخط، وهذا الإدغام وهذا الإقلاب، وهكذا، ويؤدب هذا، ويرشد هذا، ويسمع لهذا إلى أذان العصر فيملأ الميضأة أو يكملها ثم يفتح دكانه على باب زاويته فيها الزيت الطيب، والزيت الحار والعسل، والرب والأرز، والفلفل والمصطكي، وغير ذلك فلا يزال يبيع للناس إلى أن يقضي حوائجهم للطعام، والأكل قبل المغرب فيؤذن، ويصلي بالناس ويجلس للسبع إلى صلاة العشاء.
فإذا صلى العشاء بالناس لا يفرغ من وتره حتى لا يبقى أحد يمشي في الأزقة، ونيام الناس فيغفو لحظة ثم يقوم يتوضأ، ويصلي، ويأخذ الجرار، ويملأ الأسبلة كما تقدم هذا كان عمله على الدوام شتاء، وصيفًا، وكانت زوجته رحمها الله تعالى تقول له: يا سيدي أما تستريح لك ليلة واحدة فيقول ما دخلنا هذه الدار لذلك، وكان رضي الله عنه إذا قويت الشبهة في ثمن شيء يبيعه لا يأخذ من ذلك المشتري ثمنًا بل يعطيه حاجته، ويقول سامحناك فكان يظن أن ذلك لمحبته له، وإنما ذلك لقوة الشبهة في ماله على حسب مقام الجد رضي الله عنه. قلت: وقد تحدثت بذلك للشيخ محمد النامولي أجد أصحاب سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله تعالى عنه فقال: صحيح كان