هذا دأبه مدة صحبتنا له ثم قال لي سمعت سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه يقول: ما في أصحابنا قط أكثر نفعًا من الشيخ علي الشعراوي ثم قال لي: الشيخ محمد رضي الله عنه، فإن شككت في قول: سيدي إبراهيم رضي الله عنه فأعرض هذه الأحوال المتقدمة على مشايخ مصر الآن لا نجد أحدًا منهم يستطيع المداومة على هذه الأعمال جمعة واحدة ثم نظر إلي وحولي الفقراء، والمعتقدون، وقال: إن كنت تعمل فقيرًا فاتبع جدك، وإلا فأنت سكة، وصورة، وشيء ما في المقصورة فقلت: أستغفر الله العظيم، وأخبرني أنه كان إذا نزل سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه من البركة للريف يقول: للفقراء الميعاد عند الشيخ علي الشعراوي هذه الليلة فتكون ليلة عظيمة قال: الشيخ محمد رحمه الله، فنزلنا أيام التين فاعترضنا أهل الصالحية وأهل برشوم، وقالوا: يا سيدي انزل هنا نطعم الفقراء التين فقال: لا نأكل التين إلا عند الشيخ علي الشعراوي في ذلك البر فقال: الفقراء تترك بلد التين، ونطلب التين في غير بلده قال: فأول ما خرج جدك وسلم على الشيخ، والفقراء أخرج لهم قفة كبيرة من أطيب التين فقال: الفقراء لسيدي إبراهيم رضي الله عنه استغفر الله لنا، وتابوا من اعتراضهم الباطل، وأخبرني عمي الشيخ عبد الرحمن رحمه الله تعالى أن سبب عمارة والدي بيوت الخلاء في زاويته مع كونها كانت خارجة عن البلد والفلاحون في الغالب لا يعتنون بدخول الأخلية أنه ورد عليه الشيخ سراج الدين التلواني، فخرج فرأى الأولاد يقولون تعالوا بنا نتفرج على هذا القاضي الذي يخرى، فحصل عند والدي خجل عظيم لأجل ضيفه، فطلب البناء، وبنى بيوت الأخلية ذلك اليوم، وكان رضي الله عنه إذا زرع مارسًا من القمح يجعل بينه وبين الناس خطًا من الفول، وإذا زرع مع الناس الفول جعل بينه، وبينهم خطًا من القمح، وهكذا في سائر الحبوب، فإذ حصد ترك للناس خط الفول أو أخذه إذا شاء، فإنه فوله، وكان إذا سرح للحصاد يأخذ الإبريق معه للوضوء، فإذا جاء وقت الصبح ترك الحصاد، وصلى فكان شريكه يتكدر لأجل ذلك فيقول: كل طعام اكتسب بطريق حرام فهو حرام رضي الله عنه يقول: بلغني أن الأرض لا تأكل قط جسمًا نبت من حلال، فكان بعض فقهاء بلاده ينكر ذلك عليه، ويقول: هذا خاص بالأنبياء عليهم الصلاة، والسلام، والشهداء فلما مات والدي أدخلوه عليه، فوجدوه طريًا كما وضعوه، وبين دفن والدي ودفنه إحدى وعشرون سنة، فأرسل الملحد للجد وراء الفقهاء الذين كانوا ينكرون على جدي ذلك، وقال: انظروا فاستغفروا الله، وتابوا.
وكان رضي الله عنه يكره من يقول له: يا نور الدين ويقول: نادوني باسمي علي كما سماني بذلك والدي، وبات سيدي الشيخ علي العياشي أحد أصحاب سيدي أبي العباس الغمري رضي الله عنه، وهو من أرباب القلوب ليلة في زاوية جدي فسمع جدي يقرأ القرآن في قبره، فابتدأ من سورة مريم إلى سورة الرحمن فطلع الفجر فسكت الصوت فأخبر أهل البلد بذلك، فقالوا هذا الشيخ علي رحمه الله تعالى، وكان رضي الله عنه يقول: لا تجعل على قبري شاهدًا، وادفنوني خلف جدار هذه القبة التي في الزاوية، ففعلوا فليس لقبره علامة إلى وقتنا هذا، وأخبرني عمي الشيخ عبد الرحمن رضي الله عنه قال: لما حضرت والدي الوفاة دعا بكتاب سيدي عبد العزيز الدريني رضي الله عنه المسمى بطهارة القلوب فقال لوالدك اقرأ لي في أحوال القوم عند خروج أرواحهم فقرأ له فتنهد، وقال: سبقونا على خيول دهم، ونحن في أثرهم على حمير دبرة، وطلع النفاطات في لسانه حتى تزلع لسانه فكانت جدتي رحمها الله تعالى تقول: والله ما يستأهل هذا اللسان يا طول ما ختم القرآن في الليل، فيقول سكتوها عني لو علمت ما أعلم من مناقشة الحساب ما قالت ذلك، وأخبرني والدي في التربية سيدي خضر رحمه الله قال: إن جدك كان لا يجيء إلى القاهرة إلا ويأتي معه بالجراب الخبز، وإبريق يملؤه من النيل فيشرب، ويأكل من ذلك إلى أن يرجع ولم يذق لي طعامًا قط، وقال لي: تعرف سبب معرفتي بجدك قلت لا قال: نزلنا سنة من السنين مع سيدي محمد بن عبد الرحمن نائب جده، وبعض بني الجيعان نتفرج في بلدكم أيام الربيع فأقمنا مدة فطاب لسيدي محمد الوقت فشرع في زراعات، وبني حواصل، وصرف مصروفًا واسعًا فطلب شخصًا أمينًا يكون وكيلا عنه في ذلك فقال: جميع الفلاحين ليس عندنا أحد أكثر أمانة من الشيخ علي رضي الله عنه فأرسلوا، وراءه فحضر، فقال: إني لا أصلح لذلك فقالوا: لا بد فأخذ مفاتيح الحواصل فلما طلع البطيخ خزنه، وصار كل بطيخة حصل فيها تلف ينادي عليها إلى أن تنتهي الرغبات فيها ثم يكتب ثمنها عليه ويعطيها لمساكين البلد