وكان رضي الله عنه لا يمكن أحدًا صغيرًا يمزح مع كبير، ورأى مرة صبيًا يغمز رجلا كبيرًا فأخرجهما من الجامع، ورمى حوائجهما، وكان لا يمكن أمرد يؤذن في جامعه أبدًا حتى يلتحي، وعمر رضي الله عنه عدة جوامع بمصر وقراها، وكان السلطان قايتباي يتمنى لقاءه فلم يأذن له، وجاءه مرة ولده السلطان محمد الناصر على غفلة يزوره فلما، ولي قال: أخذنا على غفلة وأجواله كثيرة مشهورة في بلاد الريف، وغيرها، وقد رأيته مرة واحدة حين نزل إلى بلدنا ساقية أبي شعرة في حاجة، وعمري ثمان سنين. مات رضي الله عنه في صفر سنة خمس وتسعمائة ودفن بأخريات الجامع بمصر المحروسة رضي الله تعالى عنه.
رضي الله تعالى عنه
أحد أصحاب سيدي محمد ابن أخت سيدي مدين كان رضي الله عنه من العارفين بالله عز وجل، ورأيته، وأنا صغير وأخذ عنه الشيخ تاج الدين الذاكر بعد أن مات سيدي محمد ابن أخت سيدي مدين، وكلاهما كان أخذ عنه، وسمع يومًا شخصًا يبيع خشب الشيوخ التي تسرح بها النساء، الكتان، وهو يقول: يا قفة شيوخ بنصف فضة فأخذ منها معنى، وقال: قفة شيوخ بنصف فضة، وقال: قد رخصت الطريق فلم يلقن أحدًا بعدها حتى مات رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه مرصدًا لقضاء حوائج الناس عند الأمراء، والحكام، وكان بينه، وبين سيدي محمد بن عنان ود عظيم، ومؤاخاة رضي الله عنهما.
رحمه الله تعالى آمين
أحد أركان الطريقين الفقه، والتصوف، وقد خدمته عشرين سنة فما رأيته قط في غفلة ولا اشتغال بما لا يعني لا ليلا، ولا نهارًا، وكان رضي الله عنه مع كبر سنه يصلي سنن الفرائض قائمًا، ويقول لا أعود نفسي الكسل، وكان إذا جاءه شخص، وطول في الكلام يقول: بالعجل ضيعت علينا الزمن، وكنت إذا أصلحت كلمة في الكتاب الذي أقرؤه عليه أسمعه يقول: بخفض صوته الله الله لا يفتر حتى أفرغ، وكنت أتغدى معه كل يوم، فكان لا يأكل إلا من خبز الخانقاه وقف سعيد السعداء، ويقول: واقفها كان من الملوك الصالحين، ووقف وقفها بإذن النبي صلى الله عليه وسلم.
وصنف المصنفات الشائعة في أقطار الأرض، ولازمت الناس قراءة كتبه لحسن نيته، وإخلاصه، ولما قرأت شرحه على رسالة القشيري في علم التصوف أشار علي بحفظ الروض، وكنت حفظت المنهاج قبل ذلك فعرضته عليه، وقلت: إنه كتاب كبير فقال اشرع، وتوكل فإن لكل مجتهد نصيبًا، فحفظت منه إلى باب القضاء، وحصل لي رمي الدم من الحصر في الحفظ فأشار علي بالوقوف، وقرأت شرحه على الروض إلى باب الجهاد، وقرأت عليه تفسير القرآن العظيم للبيضاوي مع حاشيته عليه، وحاشية الطيبي على الكشاف، وحاشية السيد، وحاشية الشيخ سعد الدين التفتازاني.
وحاشية الشيخ جلال الدين السيوطي إلى سورة الأنبياء، وقرأت عليه شرح آداب البحث له، وحاشيته على جمع الجوامع، وطالعت عليه حال تأليفه لشرح البخاري فتح الباري للحافظ ابن حجر، وشرح البخاري للكرماني، وشرحه للعيني الحنفي، وشرحه للشيخ شهاب الدين العسقلاني على قدر كتابتي له في شرحه، وخطى متميز فيه، وأظنه يقارب النصف، وكنت إذا جلست معه كأني جالست ملوك الأرض الصالحين العارفين، وكان أكبر المفتين بمصر يصير بين يديه كالطفل وكذلك الأمراء، والأكابر، وكان كثير الكشف لا يخطر عندي خاطر إلا، ويقول: قل: ما عندك، ويبطل التأليف حتى أفرغ، وكنت إذا حصل عندي صداع لحال المطالعة له يقول: انو الشفاء بالعلم فأنويه فيذهب الصداع لوقته، وقال لي: مرة من صغري وأنا أحب طرايق القوم، وكان أكثر اشتغالي بمطالعة كتبهم، والنظر في أحوالهم حتى كان الناس يقولون هذا لا يجيء منه شيء في علم الشرع، فلما ألفت كتاب شرح البهجة، وفرغت منه استبعد ذلك جماعة من الأقران، وكتبوا على نسخة منه كتاب الأعمى والبصير تنكيتًا علي لكون رفيقي في الاشتغال كان ضريرًا، وكان تأليفي له إلى أن كان فروغه في يوم الاثنين، ويوم الخميس فقط فوق سطح الجامع الأزهر، وكان، وقتي رائقًا، وظاهري بحمد الله تعالى محفوظًا، وكنت مجاب الدعوة لا أدعو على أحد إلا، ويستجاب فيه الدعاء، فأشار على بعض الأولياء بالتستر بالفقه، وقال: استر الطريق فإن هذا ما هو زمانها فلم أكد أتظاهر بشيء من أحوال القوم إلى وقتي هذا، وحكي لي يومًا أمره من حين جاء إلى مصر إلى وقت تلك الحكاية، وقال: أحكي لك أمري من ابتدائه إلى انتهائه إلى وقتنا