فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 334

هذا حتى تحيط به علمًا كأنك عاشرتني من أول عمري فقلت: له نعم قال: جئت من البلاد، وأنا شاب فلم أعكف على أحد عن الخلق، ولم أعلق قلبي به وكنت أجوع في الجامع كثيرًا فأخرج بالليل إلى قشر البطيخ الذي كان بجانب الميضأة، وغيرها فأغسله وآكله إلى أن قيض الله لي شخصًا كان يشتغل في الطواحين، فصار يتنقدني، ويشتري لي ما أحتاج إليه من الكتب، والكسوة، ويقول: يا زكرياء لا تسأل أحدًا في شيء، ومهما تطلب جئتك به فلم يزل كذلك سنين عديدة فلما كان ليلة من الليالي والناس نيام جاءني، وقال لي: قم فقمت معه فوقف لي على سلم الوقد الطويل، وقال لي: اصعد هذا فصعدت فقال لي: اصعد فصعدت إلى آخره فقال لي: تعيش حتى يموت جميع أقرانك، وترتفع على كل من في مصر من العلماء، وتصير طلبتك شيوخ الإسلام في حياتك حين يكف بصرك فقلت: لا بد لي من العمى قال: ولا بد لك ثم انقطع عني فلم أره من ذلك الوقت ثم تزايد على الحال إلى أن عزم على السلطان بالقضاء فأبيت، وقال: إن أردت نزلت ماشيًا بين يديك أقود بغلتك إلى أن أوصلك إلى بيتك فتوليت، وأعاني الله على القيام به.

ولكن أحسست من نفسي أني تأخرت عن مقام الرجال فشكوت إلى بعض الرجال فقال: ما ثم إلا تقديم إن شاء الله تعالى فإن العبد إذا رأى نفسه متقدمًا فهو متأخر، وإن رأى نفسه متأخرًا فهو متقدم فسكن روعي، وقال: رضي الله عنه ما كان أحد يحملني كما يحملني السلطان قايتباي كنت أحط عليه في الخطبة حتى أظن ما عاد قط يكلمني فأول ما أخرج من الصلاة يتلقاني، ويميل يدي ويقول: جزاك الله خيرًا فلم تزل الحسدة بنا حتى أوقعوا بيننا الوقعة، وكان ماسكًا لي الأدب ما كلمني كلمة تسوءني قط ولقد طلعت له مرة، فأغلظت عليه القول فاصفر لونه فتقدمت إليه وقلت له والله يا مولانا إنما أفعل ذلك معك شفقة عليك، وسوف تشكرني عند ربك، وإني والله لا أحب أن يكون جسمك هذا فحمة من فحم النار، فصار ينتفض كالطير وكنت أقول له أيها الملك تنبه لنفسك فقد كنت عدمًا فصرت وجودًا، وكنت رقيقًا فصرت حرًا وكنت مأمورًا، فصرت أميرًا، وكنت أميرا فصرت ملكًا فلما صرت ملكًا تجبرت، ونسيت مبدأك ومنتهاك إلى آخره، وقال لي: كان أخي الشيخ علي النبتيتي يجتمع بالخضر عليه السلام، فباسطه يومًا في الكلام فقال: للخضر عليه السلام ما تقول في الشيخ يحيى المناوي فقال: لا بأس به فقال: ما تقول: في فلان ما تقول فلان ما تقول في الشيخ زكريا فقال: لا بأس به إلا أن عنده نفيسة.

فلما أرسل لي أخي الشيخ علي الضرير بذلك ضاقت على نفسي، وما عرفت الذي أشار إليه بالنفيسة، فأرسلت إلى سيدي علي البتيتي الضرير، فقلت له: إن اجتمعت بالخضر، فاسأله من فضلك على ما أشار إليه بالنفيسة فلم يجتمع به مدة تسع شهور فلما اجتمع به سأله، فقال له إذا أرسل تلميذه أو قاصده إلى أحد من الأمراء يقول له: قال: الشيخ زكريا كيت، وكيت فيلقب بالشيخ فلما أرسل لي الشيخ بذلك فكأنه حط عن ظهري جبلا، وصرت أقول للقاصد إذا أرسلته إلى أحد من الأمراء، والوزراء قل: للأمير أو الوزير يقول لك: زكريا خادم الفقراء كذا، وكذا، وقال لي مرة كنت متعكفًا في العشر الأخير من رمضان فوق سطح الجامع الأزهر، فجاءني رجل تاجر من الشام، وقال لي: إن بصري قد كف ودلني الناس عليك تدعو الله أن يرد علي بصري، وكان لي علامة في إجابة دعاني فسألت لله أن يرد عليه بصره فأجابني لكن بعد عشرة أيام فقلت له: الحاجة قضيت، ولكن تسافر من هذا البلد فقال: ما هي أيام نقول: فقلت له إن أردت أن يرد الله عليك بصرك تسافر، وذلك خوفًا أن يرد عليه بصره في مصر فهتكني بين الناس فسافر مع جمال فرد الله عليه بصره في غزة، وأرسل لي كتابًا بخطه فأرسلت أقول له متى رجعت إلى مصر كف بصرك فلم يزل بالقدس إلى أن مات بصيرًا، وقد ألبسني الخرقة، ولقنني الذكر من طريق سيدي محمد الغمري، وذكر لي أنه سافر إلى المحلة الكبرى، فأخذ عنه لبس الخرقة، وتلقين الذكر، وقرأ عليه كتابه المسمى بقواعد الصوفية كاملا قال: وكان أصحابه يفرحون بحضوري عنده لأجل سؤالي له لمعاني الكلام فإنهم كانوا لا يتهجمون عليه بالسؤال من هيبته لأنه كان جليل القدر، وكان كثير الصدقة ما أظن أحدًا كان في مصر أكثر صدقة منه كما شاهدته منه، ولكن كان يسرها بحيث لا يعلم أحدًا من الجالسين، وجاءه مرة رجل أسمر، وكان شريفًا من تربة قايتباي، فقال له: يا سيدي خطفت عمامتي هذه الليلة وكان حاضرًا الشيخ جمال الدين الصاني، والشيخ أبو بكر الظاهري جابي الحرمين فأعطاه الشيخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت