كان من العلماء العاملين وله المجهدات العالية في الطريق، وسمعت سيدي عليًا المرصفي رضي الله عنه يقول: مكث سيدي عيسى بن نجم رضي الله عنه بوضوء واحد سبع عشر سنة فقلت: يا سيدي كيف ذلك. فقال: توضأ يومًا قبل أذان العصر، واضطجع على سريره، وقال: للنقيب لا تمكن أحدًا يوقظني حتى أستيقظ بنفسي فما تجرأ أحد يوقظه فانتظروه هذه المدة كلها فاستيقظ، وعيناه كالدم الأحمر فصلى بذلك الوضوء الذي كان قبل اضطجاعه، ولم يجدد وضوءًا وكان في وسطه منطقة فلما قام، وحلها تناثر من وسطه الدود رضي الله عنه. قلت: وهذه الحالة من أحوال الشهود فيمضي على صاحبها عمره كله كأنه لمحة بارق كما يعرفه من سلك أحوال القوم، وأخبرني الشيخ محمد البرلسي أن شخصًا نذر إن ولدت فرسي هذه حصانًا فهو لسيدي عيسى بن نجم فولدت له حصانًا.
فلما كبر أراد أن يبيعه، وقال أيش يعمل سيدي عيسى فبينما هو مار به ذات يوم، وقد صار تجاه سيدي عيسى رمح من صاحبه حتى دخل الزاوية فرمح صاحبه وراءه فدخل الحصان قبر الشيخ فلم يخرج رضي الله عنه.
رضي الله تعالى عنه
أحد أصحاب العارف بالله تعالى سيدي مدين رضي الله عنه، كان طريقه المجاهدة، والتقشف وكان يلبس الفروة صيفًا، وشتاء يلبسها على الوجهين، وكان لم يزل مطرقًا إلى الأرض، وكان يقرئ الأطفال بمصر العتيق بالقرب من سيدي محمد ساعي البحر، ومكث عند شيخه سيدي مدين رضي الله عنه إلى أن توفي لم يذق له طعامًا.
فقيل له في ذلك فقال: أنا لم آكل لشيخي طعامًا خوفًا أن أشرك في طلبي للشيخ شيئًا آخر رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يقول: ذهبت الطريق، وذهب عشاقها، وصار الكلام فيها معدودًا عند الناس من البدعة فلا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان الغالب عليه رضي الله عنه الخشوع، والبكاء لا تكاد تجده إلا باكيًا قال: سيدي، وشيخي الشيخ نور الدين الشوني رضي الله عنه زرته مرة، وقلت: له يا سيدي مقصودي الطريق إلى الله عز وجل فقال: يا أخي والله ما ما أعد نفسي سلمت من النفاق طرفة عين، ولم تأخذ علي عهدًا قال: فلما أردت الانصراف قلت: يا سيدي ادع لي فخر باكيًا بوجهه إلى الأرض، وصار يفحص كالطير المذبوح، وقال: لنفسه عشتي يا شقية إلى زمان صار يطلب من مثلك الدعاء، ويوبخ نفسه رضي الله عنه، ومن أجل أصحابه سيدي الشيخ أبو السعود الجارحي، وسيدي الشيخ العارف بالله تعالى سيدي سليمان الخضيري رحمهما الله تعالى، ورضي عنهما، وكان سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه يقول: الشيخ سليمان الخضيري عندي أكمل من الشيخ أبي السعود رضي الله عنه.
رحمه الله
أعاد الله تعالى علينا، وعلى المسلمين من بركاته، واشتهر بابن عبد الدائم المديني، كانت مجاهداته فوق الحد فظهر صدقه في تلامذته فخرج من تحت تربيته سيدي الشيخ العارف بالله تعالى سيدي محمد أبو الحمائل السروري، والشيخ العارف بالله تعالى سيدي نور الدين الحسني بن عين الغزال، وسيدي الشيخ العارف بالله تعالى سيدي نور الدين علي المرصفي، وخلائق كثيرة من العجم، والمغاربة، ومدار طريق القوم اليوم في مصر على تلامذته رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه ذا سمت بهى، ونظافة، وترافة أقبلت عليه الخلائق فطردهم بالقلب فلم يصر حوله فقير، وصار يخرج إلى السوق فيشتري حاجته بنفسه، ويحمل الخبز إلى الفرن بنفسه إلى أن مات، ودفن على باب تربة سيدي مدين رضي الله عنهما، وكان رضي الله عنه يقول: شبعنا كلامًا، وقال: وقيل: في هذه الدار، وما بقي إلا القدوم على الواحد الأحد وله رسالة عظيمة في علم السلوك يتداولها أهل طريقته في مصر، وغيرها. قلت: وسبب دفنه على باب التربة دون أن يدخلوه فيها مع جماعة سيدي مدين كما أخبرني به شيخنا الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري بمصر رضي الله عنه أن سيدي أبا السعود ابن سيدي مدين، وجماعته لم يمكنوه من الدخول للوقعة التي كانت بينهم وبينه حين جلس للمشيخة بعد سيدي مدين رضي الله عنه دون ولده، وأبي السعود وقالوا له: الطريق جاءتك من أين؟ الولد أحق، وهذا الداء لم يزل بين أولاد الأشياخ، وبين جماعة والدهم إلى عصرنا هذا إلا من حماه الله عز وجل من حمية الجاهلية، ولما منعوه من زاوية سيدي مدين انتقل إلى مدرسة أم خوند بخط بين السورين، فانقلب الفقراء معه فركب جماعة من زاوية سيدي مدين، ومضوا إلى أم خوند صاحبة المدرسة، وكانت ساذجة فقالوا: لها أنت عمرت المدرسة يحصل لك الأجر، وإلا التعب من غير أجر فقالت الأجر فقالوا: إن هذا الذي يسمي نفسه المديني أخذ الأجر كله له، والدعاء وما بقي يحصل