فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 334

جيبه لأجل الفقراء فكان لا يقدم عليه فقير إلا وضع يده في جيبه، وأعطاء من غير عدد، وكان الذي يلاحظه يقول: والله عطايا الشيخ أكثر من عطايا السلطان كل يوم، وكان رضي الله تعالى عنه إذا ركب في شوارع مصر لا يلقاه أمير أو كاتب سر أو ناظر خاص إلا ورجع معه إلى أي مكان أراد وتلقاه رجل أعجمي فأنشده:

نهاري نسيم كله إن تبسمت ... أوائله منها برد تحيتي

فقال: الشيخ رضي الله عنه هذا الرجل كلما صلى الصبح وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم سمع رد السلام من النبي صلى الله عليه وسلم، فيستنير النور، ويقوى حتى يصير كأصيل النهار فكأنه يقول: حصيل لي اليوم الفتح، وكان الخضر عليه السلام يحضر مجلسه مرارًا فيجلس على يمينه فإن قام الشيخ قام معه، وإن دخل الخلوة شيعه إلى باب الخلوة، وسئل يومًا عن الصالح فقال هو من صلح لحضرة الله عز وجل، ولا يصلح لحضرة الله عز وجل إلا من تخلى عن الكونين، وسئل عن الولي فقال هو من قال لا إله إلا الله، وقام بشروطها، وشروطها أن يوالي الله، ورسوله بمعنى أنه يواد الله بشهادته له بالوحدانية، ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وكان رضي الله عنه يقول: إذا مات الولي انقطع تصرفه في الكون من الإمداد، وإن حصل مدد للزائر بعد الموت أو قضاء حاجة فهو من الله تعالى على يد القطب صاحب الوقت يعطي الزائر من المحد على قدر مقام المزور قال: بعضهم المزور في الحقيقة هو الصفات لا الذوات فإنها تبلى، وتفنى، والصفات باقية، وكان الشيخ رضي الله عنه يخرج إلى قبر رجل كان أبارًا فقيل له: في ذلك فقال: إنه كان يخبر عن رأس ماله في كل إبرة يبيعها، وكان يقول: قوموا لأهل العلوم الربانية فإن قيامكم في الحقيقة إنما هو لصفة الله تعالى التي أنار بها قلوب أوليائه، وكان بالشيخ رضي الله عنه عدة أمراض كل مرض منها يهذ الجبال منها البلغم الحار، والبلغم البارد فاجتمع عنده الأطباء، وقالوا إن النصف الأعلى قد تحكم منه البلغم الحار، والنصف الأسفل قد تحكم منه البلغم البارد فإن داوينا الأعلى غلب عليه الأسفل، وإن داوينا الأسفل غلب عليه الأعلى فقال: لهم خلوا بيني وبين الله تعالى يفعل بي ما يريد، وأقام رضي الله عنه بذلك المرض سبع سنين ملامًا فرشه ما سمعه أحد يقول: آه إلى أن توفي رحمه الله تعالى سنة سبع وأربعين وثمانمائة، وكان مع وجود هذا البلاء العظيم يتوضأ للصلاة قبل دخول الوقت بخمس درج، والأذكار، والأحزاب تتلى حوله في كل صلاة، ولا يصلي إلا مع جماعة، ولما دنت وفاته بأيام كان لا يغفل عن البكاء ليلا، ولا نهارًا، وغلب عليه الذلة، والمسكنة، والخضوع حتى سأل الله تعالى قبل موته أن يبتليه بالقمل، والنوم مع الكلاب، والموت على قارعة الطريق، وحصل له ذلك قبل موته فتزايد عليه القمل حتى صار يمشي على فراشه، ودخل له كلب فنام معه على الفراش ليلتين وشيئًا، ومات على طرف حوشه، والناس يمرون عليه في الشوارع، وإنما تمنى ذلك ليكون له أسوة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين ماتوا بالجوع، والقمل، وكان السيد عيسى عليه الصلاة والسلام يقول والله إن النوم مع الكلاب لكثير على من يموت، ولما دنت وفاته قال لزوجته: لا تتزوجي بعدي فمن تزوج بك خربت دياره، وأنا لا أحب أن تكوني سببًا لخراب دار أحد رضي الله عنه.

رضي الله تعالى عنه

أحد أصحاب سيدي الشيخ أحمد الزاهد رضي الله عنه، كان من أكابر العارفين، وانتهت إليه تربية المريدين في مصر وقراها وتفرعت عنه السلسلة المتعلقة بطريقة أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه، قالوا، وكان رضاعه على يد سيدي أحمد الزاهد رضي الله عنه، وفطامه على يد سيدي الشيخ محمد الحنفي رضي الله عنه السابق ذكره، فإنه لما توفي سيدي أحمد الزاهد رضي الله عنه جاء إلى سيدي محمد رضي الله عنه، وصحبه وأقام عنده مدة في زاويته مختليًا في خلوة ثم إنه طلب من سيدي محمد إذنًا بالسفر إلى زيارة الصالحين بالشام، وغيره فأعطاه الشيخ إذنًا فقام مدة طويلة سائحًا في الأرض لزيارة الصالحين ثم رجع إلى مصر فأقام بها واشتهر، وشاع أمره، وانتشر، وقصده الناس، واعتقدوه، وأخذوا عليه العهود، وكثرت أصحابه في إقليم مصر، وغيرها، ولما بلغ أمره سيدي الشيخ أبا العباس السرسي خليفة سيدي محمد الحنفي رضي الله عنه قال: لا إله إلا الله ظهر مدين بعد هذه المدة الطويلة، والله لقد أقام عندي سيدي في هذه الزاوية نحو الأربعين يومًا حتى كمل. قلت: هكذا رأيته في آخر مناقب سيدي محمد الحنفي عند ذكر أصحابه الذين أخذوا عنه، والمشهور بين جماعة سيدي مدين، والغمري، وغيرهم أن فطام سيدي مدين رضي الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت