ففتحوا له فدخل فقال أين الشيخ فقال له الشيخ ما تفعل به فقال أطلب الطريق إلى الله فقال ما أنت من أهلها فقال ببركة الشيخ أكون إن شاء الله أهلا لها فتعرف له الشيخ فعرفه، ولقنه الذكر، وجعله خادمًا في الميضأة ثم نقله إلى البوابة ثم نقله إلى الوقادة فمكث عشر سنين فقام عن الوقود في الفجر فخرج الشيخ فقال يا محمد فقال نعم فقال أوقد الجامع فجال بيده، وحلق على الجامع فأوقدت مصابيحه كلها فقال له الشيخ اذهب إلى بلبيس أنفع الناس ما بقي لك إقامة هنا فذهب إلى بلبيس فلم يصح له فيها قدم فانتقل إلى محلة أبي الهيثم فلم يصح له فيها قدم فذهب إلى المحلة الكبرى فكان من أمره ما كان كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى.
وكان سيدي أحمد رضي الله عنه لا يدخل إلى بيته من الجامع إلا بعد صلاة الجمعة فكان يصلي ويدخل فيمكث إلى العصر فدخل يومًا فرآهم يضحكون، وهم مبسوطون فقال مالكم. فقالوا شخص يسمى عبد الرحمن بن بكتمر أرسل إلينا لحمًا وملوخية، وعسلا، وقال اطبخوا، وكلوا فقال الشيخ وجب حقه علينا فأرسل وراءه، وأخذ عليه العهد وكانت مجاهدته فوق الحد، وقد رأيت له حبلا مربوطًا في السقف في خلوته فوق ميضأة جامع سيدي أحمد الزاهد رضي الله عنه فكان لا يضع جنبه الأرض سنين حتى وقع له الفتح، وكان من أمره ما كان. وأما سيدي مدين فجاء إلى سيدي أحمد بعد أن كان اشتغل بالعلم زمانًا فأخذ عليه العهد وأخلاه ففتح عليه ثالث يوم فكان سيدي أحمد رضي الله عنه يقول كل الناس جاءونا، وسراجهم مطفأ إلا مدين فإنه جاء، وسراجه موقد فقويناه له وسافر سيدي محمد الغمري إلى ناحية دمياط فاشترى لبيت الشيخ علبة حلاوة فتحرك الريح فجاء حبل الراجع فرماها في البحر فلما وصل سيدي محمد إلى القاهرة، ودخل وسلم على الشيخ قال له يا محمد أين هديتك قال يا سيدي رماها الراجع في البحر فقال للخادم: أدخل هذه الخلوة، وأعرض عليه الخبر فدخل فوجد العلبة على الرف وهي تقطر ماء فقال يا محمد وصلت هديتك، ولما حضرته الوفاة تطاول بعض الفقراء للإذن له بالجلوس في الجامع بعد الشيخ فجمعهم الشيخ، وقال أنا أقسم بينكم الميراث في حياتي لئلا تتنازعوا بعد فقال لسيدي محمد الغمري يا محمد إن خيرك في الطريق لذريتك ما لأصحابك منه شيء سوى الرشاش، وقال لسيدي مدين رضي الله عنه يا مدين أنت خيرك لأصحابك ما لذريتك منه شيء وقال لسيدي عبد الرحمن بن بكتمر يا عبد الرحمن أنت خيرك لنفسك ما لذريتك، ولا لأصحابك منه شيء، وكان يفوق الطريق بالمواهب، ولو كانت بالاختيار كان ولدي أحق بها، وكان يقول يا من يربي لنا ولدنا ونربي له ولده، وكان يخرج في السحر على باب الجامع يتبرك بمن دخل مصر من المسفرين، ويقول إنهم مر عليهم نسيم الأسحار، وكان إذا جاءه إنسان بولده الصغير ليدعو له يقول: اللهم لا تجعل لهذا الولد كلمة، ولا حرمة في هذه الدار، وكان يهجر الفقراء كثيرًا وربما يأمر الفقير بالإقامة في الميضأة سنة كاملة فيفعل، وكان إذا جاءه شخص يريد المجاورة للاشتغال بالعلم يقول يا ولدي ما نحن معدين لذلك اذهب إلى الجامع الأزهر، وما كان يأذن للفقراء القاطنين عنده إلا في تعليم فرائض الشرع وواجباته المتعلقة بالعبادات، وكان يمنعهم من تعلم الأمور المتعلقة بفصل الأحكام في البيوع، والرهون والشركات، ونحو ذلك، ويقول ابدءوا بالأهم، ولا أهم من معرفة الله في هذه الدار، والفقهاء قد قاموا عنكم بفروع الشريعة فإن قتلوا، والعياذ بالله، وتعطلت الأحكام وجب عليكم تعلم هذه الفروع لئلا تندرس الشريعة رضي الله عنه قلت: وقد سألت سيدي الشيخ محمد الحريفش الدنوشري وكان قد رأى سيدي أحمد الزاهد رضي الله عنه عن سبب تسميته الزاهد، وإن كان كل ولي لا بد له من الزهد، ومع ذلك فلم يشتهر به في مصر إلا هو فقط فقال صنع مرة الكيمياء نحو خمسة قناطير ذهبًا ثم نظر إليه، وقال أف للدنيا ثم أمر بطرحها في سرداب جامعه فأشهره الله تعالى من ذلك اليوم بالزاهد. مات رضي الله عنه سنة نيف وعشرين وثمانمائة، ودفن بجامعه، وقبره ظاهر يزار، ويتبرك الناس به رضي الله عنه.
رضي الله عنه
كان رضي الله عنه مقيمًا ببركة ميدان خارج القاهرة وكان يغتسل لكل فريضة صيفًا كان أو شتاء، وكان الأمراء، والخوندات، والأكابر يأتون له بالأطعمة الفاخرة والحلاوات فيطعمها للحشاشين الذين يتفرجون، ويقول لهم يا إخواني ما لي أرى أعينكم حمرًا لا يزيدهم على ذلك، وكان النقباء يلومونه على عدم إطعامهم من ذلك الطعام فقال يومًا للنقيب، املأ لك صحنًا من هذه الحلاوة، وغطه، وقم بنا نأكله