فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 334

وضربونا، وحبسونا، ولم نر منه يومًا واحدًا كلمة طيبة، وكان رضي الله عنه يقول: ليس لي أصحاب. قلت: وقال لي: يومًا من حين عملت شيخًا في مصر لي سبع، وثلاثون سنة ما جاء لي قط أحد يطلب الطريق إلى الله، ولا يسأل عن حسرة، ولا عن فترة، ولا عن شيء. يقربه إلى الله، وإنما يقول؛ أستاذي ظلمني، وامرأتي تناكدني جاريتي هربت جاري يؤذيني شريكي خانني، وكلت نفسي من ذلك، وحننت إلى الوحدة، وما كان لي خيرة إلا فيها، فيا ليتني لم أعرف أحدًا، ولم يعرفني أحد.

وكان رضي الله عنه إذا غلب عليه الحال نزع ثيابه، وصار عريانًا ليس في وسطه شيء، وجاءه مرة أمير بقفص موز، ورمان فرده عليه، فقال: هذا لله تعالى فقال: الشيخ إن كان لله فأطعمه للفقراء، فأخذه الأمير، ورجع به إلى بيته، فأرسل الشيخ فقيرين بصيرًا، وضريرًا، وقال: الحقاه، وقولا له يا أمير أعطنا شيئًا لله من هذا الموز، والرمان فتوجها مثل ما قال: لهما الشيخ، ولحقاه وقالا له يا أمير أعطنا شيئًا لله، فنهرهما، ولم يعطهما شيئًا فرجعا، وأخبرا الشيخ بما وقع لهما، فأرسل له الشيخ يقول: له تقول: هذا الله، وتكذب على الفقراء، وتنهر من يقول لك: أعطنا يا أمير شيئًا، فلا عدت تأتينا بعد ذلك اليوم أبدًا، فحصل له العزل، ولحقته العاهات في بدنه، ومات على أسوأ حال، ولما حضرت الشيخ الوفاة أرسل خلف شيخ الإسلام الحنفي، وجماعة وقال: أشهدكم علي بأني ما أذنت لأحد من أصحابي في السلوك فما منهم أحد شم رائحة الطريق ثم قال: اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد، وكان رضي الله عنه له شطحات عظيمة، وكان كثير العطب، فكان عطبه للناس بحمية.

مات رحمه الله سنة نيف، وثلاثين وتسعمائة، ودفن بزاويتة بالكوم الخارج بالقرب من جامع عمرو في السرداب الذي كان يعتكف فيه، وما رأيت أسرع كشفًا منه، وحصل لي منا دعوات وجدت بركتها، وكان رضي الله عنه يقول: لا تجعل لك قط مريدًا، ولا مؤلفًا، ولا زاوية وفر من الناس فإن هذا زمان الفرار، وسمعته مرة يقول: لفقيه من الجامع الأزهر متى تصير هاء الفقيه راء، والحمد لله رب العالمين.

رضي الله تعالى عنه

أحد أصحاب سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه، وهو الذي أمره بحفر البئر، والسقي منها على الطريق في المحل الذي هو فيه الآن قبل عمارة البلد، فأقام مدة يسقي عليها، وبني لزوجته خصًا ثم عمرت الناس حول الخص إلى أن صارت بلدًا، وكان يحج كل سنة، ويقدس بعد أن يصل إلى مصر، ويقيم شهرًا، وأخبرني رضي الله عنه قبل موته أنه حج سبعة، وستين حجة هذا لفظه لي بالجامع الأزهر، وهو معتكف أواخر رمضان، وكان رضي الله عنه يكره الكلام في الطريق من غير سلوك، ولا عمل ويقول: هذا بطالة، ومكث نحو ثلاثين سنة يقرأ في الليل ختمة، وفي النهار ختمة، وكانت عمامته صوفًا أبيض، وكان يلبس البشت المخطط بالأحمر، ويقول: أنا رجل أحمدي تبعًا لسيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه، وترددت إليه في حياته نحو العشرين سنة، وحججت معه الحجة الأولى سنة خمس عشرة وتسعمائة، وكان رضي الله عنه أكثر أوقاته يحج على التجريد ماشيًا، وعلى كتفه ركوة يسقي الناس منها، وكان رحمه الله يطوي الأكل، والشرب في الطريق، وفي مدة إقامته بمكة، والمدينة خوف التغوط في تلك الأماكن، وكان عليه القبول، وكان له شعرة طويلة بيضاء، وكان يحلقها في كل سنة في الحج، وكان رحمه الله يحمل لأهل مكة، والمدينة ما يحتاجون إليه من الزاد، والسكر، والصابون والخيط، والإبر، والكحل لكل واحد عنده نصيب فكانوا يخرجون يتلقونه من مرحلة، وكان سيدي محمد بن عراق رضي الله عنه ينكر عليه، ويقول هذه الأشياء يحملها من الأمراء، وتجار مصر من الحرام، والشبهات فبلغه ذلك فمضى إليه حافيًا مكشوف الرأس.

فلما وصل إلى خلوته بالحرم النبوي قبل العتبة، ووقف خاضعًا غاضًا طرفه، وقال: يا سيدي يدخل محمد المنير فلم يرد عليه سيدي محمد بن عراق شيئًا فكرر عليه القول فلم يرد عليه شيئًا فرجع منكسرًا، فما حكيت هذه الحكاية لسيدي على الخواص حين قدم مع الحاج المصري قال: وعزة ربي قتله، وعزة ربي قتله، فإنه ما ذهب قط لفقير على هذه الحالة إلا وقتله فجاء الخبر بأنه مات بعد خروج الحاج من المدينة بعد عشرين يومًا.

قلت: ولما بلغني أنه حضرته الوفاة أخبرت أخي العباس الحريثي، وأخي أبا العباس الغمري، فقالوا: نسافر إليه نعوده، فتوافقنا أن كل من سبق رفيقه بعد الفجر ينتظره في باب النصر، فذهبت فقال لي: البواب إن جماعة وقفوا، وانتظروا هنا ساعة ثم ساروا نحو طريق الخانكة فظننت أنه الشيخ أبو العباس الغمري فرحلت خلفه فرافقني فقير هيئة أهل اليمن. وقال: أين قاصد؟ قلت: المنير فقال: وأنا كذلك وكان تحتي حمار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت