فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 334

أعرج، وكان ذلك في أيام الشتاء، وكان أقصر الأيام فما ارتفعت الشمس إلا، ونحن داخلون المنير، فدخلت فوجدت الشيخ محتضرًا له ثلاثة أيام لم ينطق فقال: من أنت؟ قلت: عبد الوهاب فقال يا أخي كلفت خاطرك من مصر فقلت ما حصل إلا الخير فدعا لي دعوات منها أسأل الله تعالى أن يسترك بستره الجميل في الدنيا، والآخرة ثم ودعته بعد الظهر، وأقمت بالخانكة إلى بعد العصر ثم دخل سيدي أبو العباس، فاعتقد أني ما رحت إلى الشيخ إلى الآن، فقال: اركب فقلت له: إني رحت إلى الشيخ، وسلمت عليه وبالأمارة تحت رأسه مخدة حمراء مصبوغة فهذه كرامة للشيخ، فإن المدة بعيدة من مصر لا يصل المسافر في العادة إليها أواخر النهار. مات رضي الله عنه سنة نيف، وثلاثين وتسعمائة رضي الله عنه.

رضي الله تعالى عنه

رفيق المنير في الحج كل سنة، وكان من أكرم الناس، وكان إذا دعا شخصًا إلى طعامه، ولم يرض يكشف رأسه ويصير يمشي خلفه حتى يجيبه وكان من أصحاب الشيخ أحمد بن مصلح المنزلاوي أبي الشيخ عبد الحليم، وكانت طريقته سؤال الناس للفقراء سفرًا، وحضرًا في طريق الحاج، وغيره، وكان رضي الله عنه يحمل لأهل مكة الدراهم، والخام وما يحتاجون إليه، وهو الذي أشار علي بلبس الصوف الجبب الحمر، والسود من حين كنت صغيرًا بحضرة سيد محمد بن عنان، والشيخ محمد العدل رضي الله تعالى عنه، وعن الجميع، وكان رحمه الله بمرض عسر البول، فكان يصيح كلما يبول، ورأى الشيخ محمدًا العدل رضي الله عنه يحسس على بطن امرأة أجنبية لمرض كان بها فصاح عليه واديناه، وامحمداه الله أكبر عليك يا عدل فقال: والله ما قصدتها بشهوة، فقال له: أنت معصوم نحن ما نعرف إلا ظاهر السنة وقال لي: مرة يا عبد الوهاب قم معي، فخرجت معه إلى سوق أمير الجيوش، فصار يأخذ من هذا نصفًا، ومن هذا عثمانيًا، ومن هذا درهمًا فما خرج من السوق إلا، ومعه نحو أربعين نصفًا، فلقي شخصًا معه طبق خبز، فأعطاه ثمنه وصار يفرق على الفقراء والمساكين، وهو ذاهب إلى نحو بين القصرين، وقال: نفعنا الفقراء من هؤلاء التجار على رغم أنفهم ثم صار يعطي هذا نصفًا، وهذا درهمًا إلى أن فرغت، وكان معه مقص يقص كل شارب رآه، فإن لم يرض صاحبه يصيح، ويقول: واديناه، واإسلاماه، وامحمداه إلى يقصه غصبًا، وكان رضي الله عنه الغالب عليه البسط، والإنشراح، وكان رضي الله عنه حصل للشيخ محمد بن عنان قبض لا يستطيع أحد أن يكلمه إلا إذا حضر الشيخ أبو بكر الحديدي رضي الله عنه فبمجرد ما يراه يتبسم، ولما حج هو، والشيخ أبو العباس الغمري والشيخ محمد بن عنان، والشيخ محمد المنير والشيخ علي بن الجمال نزلوا بباب المعلا، فبينا هم جلوس إذ جاءتهم امرأة من البغايا، فقال لها الشيخ ما تبغين، فقالت ما يفعله الرجال بالمرأة، فقال لها اذهبي إلى هذا الرجل يعني سيدي محمد بن عنان فجاءت إليه فقال لها: ما تبغين قالت: ما يفعله الرجل بالمرأة فأخذ العكاز، وقام لها فهربت، فضحك الجماعة فقال: من أرسل لي هذه؟ فقالوا: الشيخ أبو بكر فقال ما حملك على هذا؟ قال: حتى تنظر إليها نظرة بحال تكون سببًا لتوبتها عن مثل ذلك فلم تفعل فتبسم الشيخ محمد بن عنان وقال: لا آخذك الله بذلك. توفي بالمدينة النبوية سنة خمس، وعشرين وتسعمائة، ودفن بالبقيع، رحمه الله تعالى، ويرحمنا إذا عدنا إليه آمين.

رحمه الله تعالى

كان رضي الله عنه من الأولياء الراسخين في العلم أهل الإنصاف، والأدب في أولاد الفقراء، وفقد ذلك كله بعد الشناوي، وكان رضي الله عنه يقول ما دخلت على فقير إلا، وأنظر لنفسي دونه، وما امتحنت قط فقيرًا، وكان رضي الله عنه يحكي عن الشيخ عبد الرحيم القناوي رضي الله عنه أنه رأى مرة في عنق كلب خرقة من صوف فقام له إجلالًا للخرقة الصوف، وكان رضي الله عنه أقامه الله في قضاء حوائج الناس ليلًا، ونهارًا، وربما يمكث نحو الشهر، وهو ينظر بلده، ولا يتمكن من الطلوع لها، وهو في حاجة الشخص، وكان أهل الغربية، وغيرها لا أحد يزوج، ولده، ولا يطاهره إلا بحضوره، وكان رضي الله عنه يلقن الرجال، والنساء، والأطفال، ويرتب لهم المجالس في البلاد، ويقول يا فلانة اذكري بأهل حارتك، ويا فلانة اذكري بإخوانك، فجميع مجالس الذكر التي في الغربية ترتيبه، وكان رضي الله عنه يقول: أشعلنا نار التوحيد في هذه الأقطار، فلا تنطفئ إلى يوم القيامة.

ومن مناقبه رضي الله عنه أنه أبطل الشعير الذي كان في بلاد ابن يوسف لأنه كان يموت فيه خلق كثير لأن ابن يوسف كان رجلًا عنيدًا ظالمًا، وكان ملتزمًا بتلك البلاد وكان يستلزم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت