فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 334

إليهما أبدًا كالملائكة المتطورين من أنفاس بني آدم في دار الدنيا، وكالملائكة الذين يدخلون البيت المعمور ثم إن هؤلاء الأولاد ليس لهم حفظ في النعيم المحسوس، ولا المعنوي إنما نعيمهم برزخي كنعيم صاحب الرؤيا، وكان رضي الله عنه يقول، تتوالد الأرواح مع الأرواح في الجنة فينكح الولي من حيث روحه زوجته من حيث روحها فيتولد بينهما أولاد روحانيون بأجسام، وصور محسوسات وكان يقول شجرة طوبي في منزل الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهي حجاب مظهر نور فاطمة الزهراء رضي الله عنها فما من جنة، ولا درجة، ولا بيت، ولا مكان إلا وفيه فرع من شجرة طوبي وذلك ليكون سر نعيم كل درجة ونصيب كل ولي فيها من نورانية فاطمة في حجاب ذلك الفرع وكان رضي الله عنه يقول في قوله تعالى:"أكلها دائم""الرعد: 35"معناه أن الأكل لا ينقطع عنهم متى طلبوه لا أنهم يأكلون دائمًا فالدوام في الأكل هو عين التنعيم بما به يكون الغذاء للجسم فإذا أكل الإنسان حتى شبع فليس ذلك بغذاء، ولا يأكل على الحقيقة، وإنما هو كالجابي الجامع للمال في خزانته والمعدة جامعة لما جمعه هذا الآكل من الأطعمة، والأشربة فإذا اختزن ذلك في معدته، ورفع يده فحينئذ تتولاه الطبيعة بالتدبير، وينتقل ذلك الطعام من حال إلى حال، ويغذيه بها في كل نفس فهو لا يزال في غذاء دائم، ولولا ذلك لبطلت الحكمة في ترتيب نشأة كل متغذ ثم إذا خلت الخزانة من الأكل حرك الطبع الجابي إلى تحصيل ما يملؤها به وهكذا على الدوام هذا معنى أكلها دائم. وسمعته يقول: الناس في رؤية ربهم عز وجل على أقسام: منهم من يراه بباصر العين فقط، ومنهم من يراه بكلها، ومنهم من يراه بجميع، وجهه، ومنهم من يراه بجميع جسده، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن ورثهم جعلنا الله تعالى منهم بمنه، وكرمه آمين.

وفي هذا القدر كفاية من كلامه رضي الله عنه، والحمد لله رب العالمين.

رضي الله تعالى عنه ورحمه

صحبته نحو خمس عشرة سنة، كان من رجال الله المستورين، وكان على قدم التعب لا يذيق نفسه راحة، ولا شهوة، وكان يذهب كل يوم إلى المذبح يأتي بكروش البهائم، وطحالاتها، وشغتها في قفة عظيمة على رأسه يطعمها للكلاب العاجزين، والقطط، والحدادي، والغربان، وكانت داره مأواهم في غالب الأوقات، ورأيت حدأة عجوزًا مقيمة في داره يوم موته فلما غسلناه، وحملناه خرجت معه طائرة على نعشه حتى دفناه في زاوية الشيخ على الخواص رضي الله عنه خارج باب الفتوح بمصر المحروسة، وسافر على التجريد من مصر ماشيًا من غير زاد، ولا راحلة، ولا قبول شيء من أحد إلى مكة، وأخبرني بموت أخي أفضل الدين رحمه الله يوم مات، وقال مات أخونا أفضل الدين هذا اليوم، وغدا يدفن ببدر فلما جاء الحجاج أخبرونا أنه مات قبل دخول بدر بمرحلة، وحمل إلى بدر، ودفن بها رضي الله عنه بجوار قبور الشهداء، وكراماته كثيرة، ولكنا تركنا ذكرها لكونه كان يحب الخمول، وعدم الشهرة. مات سنة خمس، وأربعين وتسعمائة رضي الله عنه.

رحمه الله

أحد أصحاب سيدي علي بن ميمون شيخ سيدي محمد بن عراق رضي الله عنه، كان رضي الله عنه كثير المجاهدة، والرياضة أخبرني رضي الله عنه أنه ربما يمكث الخمسة الشهور أو أكثر لا يضع جنبه بالأرض لا ليلا، ولا نهارًا صحبته مدة إقامة الحج بمكة المشرفة نحو عشرين يومًا سنة سبع، وأربعين، وتسعمائة وكذلك في حجتي سنة ثلاث وخمسين، وتسعمائة مدة الموسم، وانتفعت بكلامه، وإشاراته، ومواعظه، ودقائقه في علم التوحيد، وله رسائل نافعة في الطريق أطلعني على بعضها، وكان ذا تمكين، ومحبة لستر مقامه بين الناس حتى إن أهل مكة غالبهم ينكر عليه، ويقول هذا رجل محب للدنيا، وسبب ذلك ما أسره إلي، وقال لي هذه بلد الله، وحضرته الخاصة، وكل من تظاهر فيها بصلاح أقبل عليه الناس، وشغلوه عن ربه عز وجل فلما دخلت مكة على حالتي التي كنت عليها في الشام اعتقدوني، وأقبلوا علي فتظاهرت بحب الدنيا، وسؤالي لهم من الصدقات فنفروا عني فاسترحت رضي الله عنه. ومن كلامه رضي الله عنه الإرشاد على ثلاثة أقسام: إرشاد العوام إلى معرفة ما يجب على المكلف معرفته من الحدود، والأحكام من فروض العين والكفاية، وإرشاد الخواص إلى معرفة النفس، وهو معرفة الداء، والدواء فيما يرد على النفس، وعلى الضمائر من الخواطر. وإرشاد خواص الخواص، وهو معرفة ما يجب لله وما يجوز وما يستحيل، وتنزيه صفاته، وأسمائه، وذاته، وأفعاله. وقال رضي الله عنه الطريق إلى الله كمال الشهود ولزوم الحدود، وقال من ثبت له الاستقامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت